تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿٢٥﴾
قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، ﴿رَبِّ﴾ يخاطب من؟ يخاطب ربه رب العالمين ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه: هارون.
﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر، فماذا كانت إجابة الله؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على بني إسرائيل الذين أُمِروا بالقتال، ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ تحريمًا قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢]، يعني التحريم قد يكون شرعيًّا مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣]، وقد يكون قدريًّا كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: تحريمًا قدريًّا، وهنا أيضًا ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا.
﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ﴿سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]، وإلى عصر ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٤٣)، ومسلم (١١٣٠ / ١٢٧) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ».]].
﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله كم المسافة بين مصر وأرض الشام؟ كم تقدرونها؟ حوالي شهر، هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليس سنة ولا سنتين، بل أربعين سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ لأن الله تعالى أعماهم، أعماهم فحُرِموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حُرِموا إياه من أجل هذا العناد وهذا العتو، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خُصّت أو لماذا خُصّ التيه بأربعين سنة؟ لنا جوابان عنها:
الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالِمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد مر علينا كثير من هذا أن المحدَّد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال، إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية.
الجواب الثاني، أو الوجه الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة يمكن أن ينشأ جيل جديد على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندون، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يُعترض عليه بأنه هل المدة هذه كافية؟ الجواب: نعم، كافية، إن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع، قد تتحول إلى عادات وأخلاق في خلال كم؟ أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع تتحول إلى عادات وأخلاق في مثل هذا أو أقل.
﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿لَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة.
* وفي الآيات فوائد:
* من فوائد الآيات أولًا: قوله تعالى عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾.
* فيه فوائد؛ منها: فضيلة أرض الشام؛ لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾، وسبق أن معنى المقدسة أي مطهّرة من الأوثان والشرك؛ لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء ١] هذا أيضًا من تقديسه.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه هنا ذكر أن الأرض مقدسة، وأن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾، وكأن هذا بشارة بأنهم سوف ينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فكان هنا البشارة من وجوه ثلاثة، ما هي؟ قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والثالث: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الكتابة نوعان: شرعية، وقدرية؛ الآية بمعنى كتابة قدرية، والكتابة القدرية تأتي غالبًا مقرونة باللام، والكتابة الشرعية تأتي غالبًا مقرونة بـ(على)، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر ٣]، والكتابة هنا قدرية ولّا شرعية؟ قدرية، ما فيها إشكال، ما فرض الله عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا، لكن الغالب أن القدرية باللام والشرعية بـ(على).
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم؛ لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ماذا تقولون؟ نقول: هم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين، فهي كُتِبَت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، إذن فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا أو قدرًا فلا، قدرًا يمكن، لكن شرعًا ليس لهم حق فيها إطلاقًا؛ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرثون بني إسرائيل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، ولذلك تجدون الشرع أوامر ونواهي؛ لأنها لا تتم العبادة إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات، وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجده كله فيه فعل وفيه ترْك حتى يتم الامتحان والاختبار، أضرب لكم مثلًا بالصوم، فيه أيش؟ ترك للمحبوب، في الزكاة بذل للمحبوب، وهذا هو الذي يكون به تمام الامتحان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر رِدّة، ردّة عن الاستقامة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، فالمرتد الآن متأخر ولّا متقدم؟ متأخر، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولهذا نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم نقول: أخطأتم، هم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح يرونه تأخرًا، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن رِدة أو ارتداد على الدُّبُر، لكن موافقة السلف الصالح هو التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الارتداد على العقب سبب للخسارة، أي خسارة هي؟ الدنيا والآخرة، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن (الفاء) في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية، ولهذا نُصِب الفعل بعدها، لوقوعه بعد النهي، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفْز للنفوس على الامتثال، وهنا قال موسى لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر العقوبة الدنيوية من أجل ردع الناس عن المعاصي لا ينافي الإخلاص، انتبه، صح؟ ذِكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يقولون هذا يحذّرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنى من أجل الحث على فعل الطاعة لا ينافي الإخلاص، ألم تروا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ دنيوي، ومع ذلك ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل الطاعة وهي صلة الرحم، وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقةً أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، نسأل الله العافية، الله عز وجل يرشدنا إلى هذا ويبيّن أن هذا هو طريق الرسول وأصحابه وأنت تقول: إن هذا من الإشراك؟! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش؛ الزنا مثلًا له عقوبة أو لا؟ له عقوبة، العقوبة لماذا؟ من أجل أن تردع الناس عنه، من أجل أن يرتدع الناس عنه، ويخشى إذا زنا أن يُجلد أو يرجم، قطع اليد في السرقة نفس الشيء، من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، لا يقال: يكفي الوازع الإيماني، لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني، لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوم أو مقوٍّ لهذا الأصل، ولا يضر.
ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، اعتبارًا -والله أعلم- اعتبارًا بالأكثر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يصير؛ لأنه كيف ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ في مخاطبة موسى لقومه، فالرجلان غير الداعي، ولو قلنا: إنه موسى وهارون، فسد المعنى.
* طالب: (...) طلب الثواب العاجل بالعمل الصالح، هل (...) الانشراح يعده من العمل الصالح؟
* الشيخ: هذا من الثواب العاجل؛ يعني من نعمة الله على العبد أنه يجد انشراحًا في العبادة، وهذا من الثواب العاجل، ومن عاجل بشرى المؤمن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥-٧].
* الطالب: (...) العبادة يجد الإنسان فيها انشراح أكثر من طلب العلم (...)؟
* الشيخ: السبب في ذلك؛ لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا الآن أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم التوسّع في طلب العلم فقط، وهذه لا شك إنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين وحماية هذا الدين من أعدائه، وبهذا ينشرح الصدر، بهذا ينشرح الصدر، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، دُرّة غواص لا يمكن أن يفرط بها إطلاقًا.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى آخر الآيات، بالدلالة على قدسية وقداسة أرض الشام، هل لنا أن نقول -عفا الله عنك-: بأننا كلما ابتعدنا عن المسجد الأقصى وأرض المسجد الأقصى كلما قلّت القداسة؟
* الشيخ: إي، ما فيه شك، بس كلما أبعدنا بعدت القداسة ما نقدر نقول هذا، بل نقول: إذا فارقناها بعدت، لكن هذا في زمن موسى، في زمن محمد عليه الصلاة والسلام لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة، المسجد النبوي أشد قداسة.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٢].
* من فوائد هذه الآية: بيان جفاء بني إسرائيل، وذلك أن موسى كان يخاطبهم ﴿يَا قَوْمِ﴾، بهذا التلطف، وهم يقولون: ﴿يَا مُوسَى﴾، لم يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي فقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: بيان جبن بني إسرائيل، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأنه من الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إذا خرج منها أهلها؟ جبان، فهم يقولون: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا دليل على غاية الجبن فيهم.
* ومنها: تأكيد الجبن مرة ثانية ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون في القوم المتكبرين المعارضين مَن فيه الخير والصلاح والإصلاح؛ لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.
﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فيه أيضًا: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وهذا لا يحتاج إلى توكيد، لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، من ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا بلد عدوه منه؟
إذن نأخذ الفائدة التي ذكرنا: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين المعارضين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، من قوله: ﴿رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾.
* ومن فوائدها؛ أي أعني قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لأنه قال: ﴿يَخَافُونَ﴾، ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة في الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة بالطاعات في الأوامر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله عز وجل من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد أن يُنعم الله عليه بالخوف منه؛ لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّي الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله أن يُعَمِّي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من غُزِيَ في عقر داره فهو ذليل، وهذا مثل مشهور: ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، يؤخذ من قوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾، وأهل البلد مغلوبون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدخول على البلدة لا يكون بتسوّر الْجُدُر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة رضي الله عنهم حديقة مسيلمة الكذاب ما تسوّروا الجدار، بل فتحوا الباب، ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك رضي الله عنه مشهورًا بالشجاعة والقوة، وطلَب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا فدخل ففتح لهم الباب، فتح لهم الباب ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين، والقصة في أسد الغابة (١ / ٣٦٣)، والإصابة (١ / ٢٨٠). ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوكل على الله من أسباب النصر؛ لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾.
* ومن فوائدها: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي؛ لقوله بعد أن وجههم إلى أن يدخلوا عليهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، «وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله عز وجل حتى يحصل المراد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إفراد الله تعالى بالتوكل؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِّل أمرَه إلى المتوكَّل عليه، هذا لا يجوز إلا لله، والمتوكّل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله عز وجل، وأما التوكُّل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِّل أنه مفوِّض أمره إلى هذا، وأنه -أي المتوكَّل عليه- هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فهذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكِّل فيه، فمثلًا تقول: يا فلان، اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، لكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني، معونة، فأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لست مفتقرًا إليه، لو شئت لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه، إلى آخره، لكن توكّل العبد على الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه في حاجة إلى الله، وأنه قد فوّض أمره إلى الله عز وجل، ومن ثم لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه -كما قلت لكم- الفرق العظيم بين هذا وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، الابن يعتمد على أبيه في حصول النفقة، فهنا المسألة دقيقة جدًّا، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته، هذه مسألة دقيقة إن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض، وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله عز وجل، فإن ذلك لا ينافي التوكل لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية، والعياذ بالله، وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى أنه يعتمد على الطبيب اعتمادًا كليًّا، حتى إنه يشعر بنفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبِّب هو الله عز وجل، وأن الله تعالى إن قدّر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك، وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولا بد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رُتِّب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه.
ثم قال عز وجل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ إلى آخر الآية.
في هذه الآية ما ذكرنا في الآية التي قبلها: جفاء بني إسرائيل، حيث يخاطبون نبيهم باسمه العلَم دون وصفه بالرسالة والنبوة.
* ومن فوائدها: إصرار بني إسرائيل على المعصية وعلى الجبن والخور؛ لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، وهذا واضح أنهم مصرّون على معصية نبيهم الذي قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى (اذهب) وصيغتها بهذه الصيغة كأنهم آمرون لموسى أيضًا في استعلاء واستكبار ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، يعني ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا رسول الله أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ثم فيه وجه ثالث للغطرسة ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ما نتحرك، ولا نذهب معك، لم يقولوا مثلًا: إننا رِدْءٌ لك نحميك من ظهرك، وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا كمال الغطرسة من بني إسرائيل.
ثم قال الله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبّروا هذا التعبير؛ لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، وقارن بينهم؛ أي بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي ﷺ حيث: كانوا يبتدرون أمره ويتسابقون إليه[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة.]]، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة -والحمد لله- والأمم السابقة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام له الكلمة على هارون، يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، أما كونه أكبر من يعني هارون أو موسى هذا يحتاج إلى دليل صحيح، لكن موسى عليه الصلاة والسلام كان له الإمرة على هارون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربه عز وجل أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فهل يؤخذ من هذا أو هل يتفرع من هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؟ لأن الهجر مفارقة، يمكن أن يؤخذ منها هذا، ولكننا نقول: السنة دلّت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعل وإلا فلا تفعل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
هل نقول: ومن فوائدها: الأخذ بالأكثر؛ لأن من بني إسرائيل قوم موسى من كانوا على الحق، الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾؟ هل هما فاسقان؟
لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصف الفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: استجابة الدعاء؛ لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾، واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات؛ منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، لو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، لو لم يقدر لم يستجب أيضًا.
* ومن فوائدها: أن التحريم يطلق على المنع القدري؛ لقوله: ﴿