×

الزخرف

الآية ١١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿١١﴾

وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف ١١] فإذن ﴿أَنْشَرْنَا﴾ بمعنى: أحيينا، وهذا شيء مشاهد؛ تجد الأرض قاحلة مجدبة ليس فيها خضراء، فإذا نزل المطر أصبحت تهتز من النبات من كل زوج بهيج. وقوله: (أحيينا ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الإحياء، ﴿تُخْرَجُونَ﴾ ) يعني: كما أنا أحيينا الأرض بالمطر فكذلك نحييكم يوم القيامة، قال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ هامدة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: علتْ بنباتها، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. * في هذه الآيات فوائد: * منها: بيان نعمة الله عز وجل؛ حيث جعل لنا الأرض مهادًا، ولو كانت صلبة ما استقررنا عليها ولا حرثناها ولا انتفعنا بها كثيرًا، ولو كانت رخوة كذلك لم ننتفع بها ولغاصت أقدامنا فيها، ولكن من نعمة الله أنه جعلها كالمهاد. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله علينا بما جعل لنا من الطرق في هذه الأرض على تباعد أقطارها. ولكن بأي شيء نستدل على الطرق؟ ذكرنا أنه يُسْتَدل عليها بالشعاب وبالجبال وكذلك بالنجوم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله فيما يخلق في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وحكمة الله عز وجل فيما يخلق وفيما يشرع ثابتة، لكن من الحِكَم ما نعلم، ومن الحِكَم ما لا نعلم لقصور أفهامنا، ومن الحِكَم ما يعلمها كثير من الناس وتخفى على كثيرين آخرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه إذا كان المقصود الحسي يحتاج إلى طرق فكذلك المقصود المعنوي، وهو الوصول إلى دار كرامة الله عز وجل، فإنه يحتاج إلى طرق، لا بد أن نسلك هذه الطرق حتى نصل إلى المقصود، فإن لم نسلكها فلن نصل إلى المقصود. * ومن فوائد الآية الثانية: قدرة الله عز وجل بإنزال المطر. * ومنها: رحمة الله عز وجل بإنزال المطر من فوق؛ لأنه لو كان من أسفل لغرقت الأرض السفلى دون أن يصل الماء إلى قمم الجبال، ولكن الله تعالى جعله ينزل من فوق حتى يُرْوِي العالي والنازل، وإذا ارتوى العالي نزل إلى النازل. * ومن فوائد الآية: أن هذا الماء النازل من السماء ينزل بقدر على المعنيين اللذين ذكرناهما. * ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء. * ومن فوائد الآية: إطلاق لفظ الموت على ما لا روح فيه؛ أي: ما لا روح فيه تُحِس؛ لقوله: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، وإلا فمن المعلوم أن الأرض ليست كحياة الحيوان حياة إحساس، بل هي حياة نمو. * ومن فوائد الآية: قياس المعقول على المحسوس، وإن شئت فقل: قياس الغائب على الحاضر؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. * ومن فوائدها: إثبات القياس وأنه دليل. لكن هل هو دليل عقلي أو دليل سمعي؟ الجواب هو دليل عقلي ثابت بالدليل السمعي؛ وذلك لأن العقل ينتقل من المقيس عليه إلى المقيس، فهو دليل عقلي باعتبار كيفية الاستدلال به، ودليل سمعي لثبوته شرعًا.