تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠﴾
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [الزخرف ٩، ١٠] (طُرُقًا) ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا ليس من كلام الذين سألهم النبي ﷺ، انتهى كلامهم عند قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، أما ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فهذا من كلام الله عز وجل.
ومعنى ﴿جَعَلَ﴾ صيَّر، ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي: كالمهد مُوَطَّأة، قرارٌ، يطمئن بها الإنسان.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: صيَّر لكم فيها سبلًا؛ أي: طرقًا، هذه الطرق تكون بين الشعاب والجبال والوهاد، حتى إنه لتأتي الرياح الشديدة، وتبقى هذه الطرق معلومة، يُسْتَدل على هذه الطرق بالجبال والشعاب والنجوم، كما قال عز وجل: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦].
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، ومن المعلوم أن (لعل) تأتي للتعليل كما هنا، وتأتي للترجي، وتأتي للتوقُّع، والذي يُعَيِّن المعنى هو سياق الكلام وقرائن الأحوال.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بعدها، التفسير.
* طالب: (إلى مقاصدكم في أسفاركم).
* الشيخ: نعم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: تعلمون الطُّرق، فالهداية هنا هداية الطرق، (إلى مقاصدكم في أسفاركم) الآن -والحمد لله- وُجِدَت طرق مُمَهَّدَة بيِّنة من المدن والقرى وغير هذا، كل ذلك بنعمة الله عز وجل، أظن عندكم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا عندي ﴿﴿مِهَادًا﴾ ﴾، ولم يُشر إلى القراءة التي في المصحف، وهي على حال قراءتان: ﴿﴿مِهَادًا﴾ ﴾، وقد جاءت في آية أخرى بهذا اللفظ، و﴿مَهْدًا﴾ وهي بمعنى مِهَاد.
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف ١١] ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: أنزله شيئًا فشيئًا، فتجد المطر ينزل من السماء نقطًا، ولو جاء كأفواه القِرَب لأفسد الأرض وهدَّم البناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أن جعله ينزل شيئًا فشيئًا، ومع ذلك تسيل منه الأودية وهو على نقطة نقطة، لكن مع كثرته تسيل به الشعاب.
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ السماء هنا المراد بها العلو. واعلم أن السماء يطلق على معنيين: المعنى الأول: العلو من حيث هو، والمعنى الثاني: السقف المحفوظ الذي هو السموات السبع.
فقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] المراد بالسماء هنا السقف المحفوظ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢].
وأما قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فالمراد به العلو؛ لأن المطر ليس ينزل من السماء نفسها ولكنه ينزل من العلو، بدليل قوله: ﴿السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، السحاب ليس في السماء لاصقًا، ولكنه بين السماء والأرض، وهو إلى الأرض أقرب.
(﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بقَدْر حاجتكم إليه، ولم ينزله طوفانًا) قوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فسره المؤلف أي: بقدر ما تحتاجون إليه، وله معنى آخر ﴿بِقَدَرٍ﴾ يعني: أنه مُقَدَّر محددٌ، حتى النقطة قد عَلِمها الله عز وجل، وعلم كيف تنزل، وعلم متى تنزل، وعلم أين تنزل، كل شيء بقدَرٍ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩]، فيكون المعنى على هذا أن هذا المطر الذي ينزل على كثرته وكثرة عدد نقاطه ينزل بقَدْرٍ محددٍ، والمعنى الذي ذكره المؤلف معنى صحيح، والآية تحتمل هذا وهذا، والقاعدة عندنا في التفسير: أن الكلمة في القرآن أو في السنة إذا كانت تحتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما فإنه يجب أن تُحْمَل عليهما؛ توسعة للمعنى.
﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ﴿أَنْشَرْنَا﴾ أي: أحيينا، كما جاء ذلك في آيات أخرى، في قوله: ﴿