تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ﴿٣٤﴾
وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴿٣٥﴾
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾.
قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ليست معطوفة على (يسكن)؛ لأنه يفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق أو يعف عن كثير، وهذا فاسد، ولكن المعنى: يوبقهن بما كسبوا، و(يعف) جملة استئنافية لكنها حذفت الواو للتخفيف، المعنى أن الله تعالى يعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها (﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِير﴾ منها فلا يغرق أهله).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال المؤلف المفسر: (بالرفع مستأنف، وبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم).
أولًا: فيها قراءتان: ﴿﴿ويعلمُ﴾ ﴾، ﴿وَيَعْلَمَ﴾، على قراءة الرفع الواو استئنافية، التقدير: وهو يعلم الذين يجادلون. وعلى قراءة النصب وجهها المؤلف بأنها معطوفة على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم، قال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ﴾ تجد أن الكلام لا يتناسب إلا إذا قدَّر ما يناسبه، المقدَّر على كلام المؤلف أي: يغرقهم لينتقم منهم، أي: وليعلم ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى ٣٥] أي: (مهرب من العذاب).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الذين فاعل ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ المجادلة هي المناظرة والمخاصمة، مأخوذة من الجدْل، وهو الفتل، يقال: جدَل الحبلَ، أي: فتله، وسُمي المناظر مجادلًا لأن كل واحد من المتناظرين يفتل حجته لتقوى على حجة الآخر، هذا أصل المجادلة، وهي المنازعة والمخاصمة ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ ليثبتوا الباطل ويبطلوا الحق.
تأمل مجادلة المشركين للأنبياء ما قصدهم؟ إبطال الحق الذي جاءت به الرسل وإثبات الباطل الذي هم عليه؛ ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ما لهم: (ما) نافية، وهل يصح أن تكون هنا حجازية؟ لا يصح، لماذا؟ لعدم الترتيب، حيث قدم الخبر، إذن (ما) نفيها مجرد، لا تعمل، ومحيص: مبتدأ مؤخر دخلت عليه (من) الزائدة، والمحيص: المهرب؛ قال: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص﴾ مهرب من العذاب، وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل) هذا جواب سؤال مقدر وهو أين مفعولا يعلم؟ لأن يعلم من أفعال القلوب التي تنصب المبتدأ والخبر، يعني أنها من أخوات (ظن)، تنصب مفعولين، أين المفعولان؟ يقول المؤلف رحمه الله: إن عملها معلق الآن، معلق لماذا؟ للنفي، فجملة النفي سدت مسد المفعولين، وهذا يعلم من درس النحو؛ لأن أفعال القلوب إما أن تعمل، وإما أن تعلق، وإما أن تلغى، إذا ألغيت بطل عملها في المحل واللفظ، وإذا عُلقت بقي عملها في المحل دون اللفظ، وإذا عملت عملت باللفظ والمحل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التهديد بإغراق السفن؛ لقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾، وقد علمتم قبل قليل أن الرياح بالنسبة للسفن تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ريح مناسبة طيبة، وريح عاصفة مدمرة مغرقة، وريح ساكنة تبقى السفينة راكدة على ظهر الماء، فمن فوائدها: التهديد بإغراق السفن بالمعاصي.
* ومن فوائد الآية: التحذير من المعاصي وأنها سبب للعقوبات؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير من السيئات فلا يعاقب عليها؛ لقوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ يعني حتى مع إغراق السفن يعفو الله تبارك وتعالى عن كثير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك العصاة بأنه ليس لهم مهرب من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾.
* ومنها: ذم المجادلة لإبطال الحق، تؤخذ من قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾، أما المجادلة لإثبات الحق فإنها واجبة، حيث كان الإنسان يجيدها ويحسنها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦].
فالمجادلة لإثبات الحق وإبطال الباطل واجبة، لكن بشرط أن يكون عند الإنسان علم بما يجادل به، فإن لم يكن له علم فالواجب ألا يجادل؛ لأنه إذا جادل لإثبات الحق بدون علم فقد تنعكس القضية عليه، يورد عليه من الشبهات ما لا يستطيع دفعه، وحينئذ ينقطع. وانقطاع المجادل بالحق ليس ضرره على نفسه، بل هو على نفسه وعلى الحق الذي يجادل من أجل إثباته.
وهل المجادلة تحصل بالغريزة أو بالمران؟ الجواب: بهما كليهما، قد يعطي الله سبحانه وتعالى الإنسان قوة حجة وقريحة وسرعة إجابة، وهذا من الله عز وجل، وقد يكون قليلًا من هذه الناحية في أصل خلقته ولكن مع المجادلة يتمرن.
ولهذا كان بعض أهل العلم إذا أراد أن يحرر مسألة ويثبتها فرض نفسه مع مجادل، فيورد على نفسه إشكالًا ثم يجيب عنه، ثم إشكالًا ثم يجيب عنه حتى يتمرن على المجادلة.
ويذكر أن عاميًّا يجادله نصراني يقول له: أنتم أيها المسلمون ظلمة، قال: بم؟ قال: لأنكم تجيزون أن تتزوجوا منا ولا تجيزون أن نتزوج منكم. إذا جاء هذا الإيراد على شخص لا يعرف المجادلة قال: هذا نعم صحيح، فقال العامي: إننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا، آمنوا برسولنا نزوجكم، وهذه حجة صحيحة أو لا؟ صحيحة لا شك، فإذا كانت صحيحة من عامي كان هذا دليلًا على أن المجادلة تكون غريزة وتكون بالمراس والتمرن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا مفر لمن حاد الله ورسوله من عقوبة الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. من المعلوم أن (يعلم) تنصب مفعولين، فأين مفعولاها؟ جملة: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ماذا يسمى؟ يسمى تعليقًا، وذكرنا لكم أن (ظن) وأخواتها تكون عاملة ومعلقة وملغاة.
قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ هل هذا مدح أو ذم؟ ذم، طيب كيف يكون ذمًّا وقد أمر الله بمجادلة أهل الكتاب؟ يعني إذن نقول: المجادلة لإظهار الحق وبيانه مأمور بها، والمجادلة التي للعكس لإبطال الحق وإظهار الباطل هذه هي التي عليها الوعيد، تمام.