تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٣٣﴾
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ ﴾ يصرن ﴿رَوَاكِدَ﴾ ثوابت لا تجري ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ﴾) أي: ظهر البحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ من آياته.
ثم قال: ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ لأن التبعيض بعض الشيء، فإذا كان الشيء ألفًا فبعضه قد يكون مئتين أو ثلاث مئة، وإذا كان الشيء اثنين فالبعض واحد، السفن كثيرة لا تحصى، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ باعتبار السفن الكثيرة التي تجري على البحر، وربما نقول باعتبار السفينة الواحدة مما يشاهده ركابها في البحر من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله. ولهذا يحدثنا الذين يذهبون في البحر لاصطياد السمك يحدثوننا عن عجائب مما يشاهدون من السمك باختلاف أنواعها واختلاف ذواتها كبرًا وصغرًا وشكلًا مما هو من أعظم آيات الله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار صيغة مبالغة، أي: كثير الصبر، شكور: كثير الشكر، فما وجه الجمع بين الصبر والشكر؟
وجهه ظاهر؛ لأن هذه السفن إن جرت على ما ينبغي فوظيفة الإنسان الشكر، وإن جرت على ما لا ينبغي فوظيفته الصبر، فالصابر والشاكر كلاهما سيرى من آيات الله عز وجل في هذه السفن ما يوقن أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وأنه رحيم بالعباد، وغير ذلك مما سيراه.
قال: (هو المؤمن يصبر في الشِّدَّة وَيشكر في الرخاء) وقد يقال: المؤمن والكافر، لكن الكافر يصبر ولا يشكر، المؤمن يصبر ويشكر، يصبر في موضع الصبر ويشكر في موضع الشكر، الكافر يصبر في موضع الصبر ويتحمل، ولكن لا يشكر في موضع الشكر، وإنما يزداد بطرًا وأشرًا.
(﴿أَوْ يُوبِقهُنَّ﴾ عطف على يسكن، أي: يغرقهنَّ بعصف الريح بأهلهنَّ) هذا قسم ثالث: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ وإن يشأ ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ أي: يغرقهن ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب كسبهم، فما هو الكسب الذي يؤدي إلى العقوبة؟ المعاصي، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات، ﴿