تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿٣٧﴾
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] (من آياته) أي: آيات الله عز وجل، والآية في اللغة: العلامة، وهي بالنسبة لآيات الله: ما كان علامةً على قدرة الله عز وجل وقوته وحكمته وعلمه ورحمته وغير ذلك.
فقوله: (من آياته) الدالة على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وغير ذلك مما يدل عليه هذا الليل والنهار.
﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ (الليل) بظلامه و(النهار) بضيائه هذا من آيات الله؛ لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك إطلاقًا.
يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]، الجواب: لا إله، لا أحد يأتي بذلك، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧٢] الجواب: لا أحد، فهذا من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته وعلى رحمته وعلمه وحكمته وقوته، بينما الليل قد غشي الأرض بظلامه، وإذا بالصبح قد كشف هذا الغطاء فأصبحت الدنيا ضياءً.
كذلك من آياته الشمس والقمر، وما أعظمها من آية، هذان الكوكبان يسيران منذ خلقهما الله عز وجل إلى أن يأذن الله بخرابهما، يسيران على نمط واحد لا يتعديانه ولا يتجاوزانه.
قال بعض العلماء: لو أن الشمس بعدت عن مقرها شعرةً واحدة لهلك الناس من البرد وجمدت المائعات، ولو أنها نزلت شعرةً واحدة لذابت الأرض من الحر، وهذا من قدرة الله عز وجل، ثم هذا الجرم العظيم له هذه الإضاءة العظيمة مع البعد التام، وهذه الحرارة العظيمة مع البعد التام، لو أنك سعرت أقوى نار في الدنيا ما بلغت مسافة حرها إلى مئة متر، ومع ذلك تجد مس الحرارة فقط لا أن يصل إلى هذه الدرجة، وهذه بينك وبينها ما لا يعلمه إلا الله عز وجل وتجد هذا الحر، في أيام الصيف ربما قال لي بعضهم: ربما بدأ الماء يغلي من شدة الحرارة في بعض المناطق مما يدل على عظمة هذه الشمس.
القمر أيضًا عظيم، هذا القمر الكوكب الكتلة يضيء هذه الإضاءة العظيمة من بُعد، مع ذلك هو بارد لا يسخن الجو ولا يسخن الأرض؛ لأنه آية الليل، أرأيتم لو كان حارًّا أيتمتع الناس بالليل كما يُتمتع به اليوم؟ لا يمكن أبدًا، لكن من رحمة الله عز وجل أن جعله نورًا باردًا، حتى لا تبقى حرارة الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، وحتى يستقر الناس في منامهم وذهابهم ومجيئهم.
أن جعله نورًا باردًا حتى لا تبقى حرارة الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، وحتى يستقر الناس في منامهم وذهابهم ومجيئهم.
ثم قال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت ٣٧] نَهْي عن السجود للشمس والقمر؛ لأن من بني آدم من يسجد للشمس ويسجد للقمر، «ولذلك نُهِيَ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٥)، ومسلم (٨٢٨ / ٢٨٩) من حديث ابن عمر.]]، وقال بعض العلماء: إن المراد: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ عند تغيرهما بالكسوف، ولكن اسجدوا لله.
قال: (﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت ٣٧] أي: الآيات الأربع ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ) يعني: إن كنتم صادقين في عبادته فلا تسجدوا لغيره؛ لأن من يعبد الله ويعبد غيره ليس صادقًا في عبادته؛ الصادق في عبادته هو الذي يخلص العبادة لله عز وجل، ويأتي إن شاء الله البقية.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا يوم القيامة، تلقى في جهنم يوم القيامة ما هو الآن، ويوم القيامة تتغير الأمور ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم ٤٨].
* طالب: (...).
* الشيخ: ظاهر القرآن أنها في الأرض في سجين، كما جاء في الحديث في قضية المحتضر: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السابعة السفلى»[[أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) من حديث البراء بن عازب.]]، لكن تتغير الأمور في يوم القيامة، ما هي على ما يُتصور الآن.
* طالب: ما الفرق بين الشيطان وإبليس؟
* الشيخ: ويش هذا السؤال؟ ما يصلح السؤال هذا، الفرق بين الشيطان والإنس؟
* طالب: وإبليس.
* الشيخ: الشيطان هو إبليس، هو واحد.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] هل يكون معناه أن من صفح عند الناس يكون هذا جُبنًا وخورًا؟
* الشيخ: لا، هذا هو الحكمة في أن الله قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾؛ لأن الإنسان ينال درجة عظيمة عالية من الأخلاق والرزانة والرجولة والثواب، كلها وليس الحظ العظيم هو أن الإنسان يزداد درهمًا ودينارًا؛ الأخلاق هي كل شيء سواء مع الله أو مع عباد الله.
وَإِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ ∗∗∗ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْذَهَبُوا
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت ٣٦] (...)؟
* الشيخ: نعم، السلطان كما تعرف هو الذي يتولى الأمر بسلطته ويغلب، فالشيطان ينزغ حتى عباد الله الصالحين، ولكن ليس له عليهم سلطان، أليس قد تفلت على الرسول عليه الصلاة والسلام شيطان يريد أن يفسد عليه صلاته؟ لكن ما له سلطان، السلطان يقول ويفعل، كما قال ابن الوردي في المنظومة:
جَانِبِ السُّلْطَانَ وَاحْذَرْ بَطْشَهُ ∗∗∗ لَا تُخَــــاصِمْ مَــــنْ إِذَا قَــــالَفَعَــــلْ
فالمراد بـ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢] يعني: لا يمكن أن تتسلط عليهم فتغويهم.
* طالب: الذي لا يقدر رد السيئة بمثلها هل يدخل في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤].
* الشيخ: أيش؟
* طالب: الذي لا يقدر رد السيئة بمثلها هل يدخل في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؟
* الشيخ: لا يا أخي، هذا ضعف وجبن، اللي لا يقدر على الانتصار لنفسه هذا لا يُحمد، بل يُقال: هذا ضعيف، بل لا يحمد إلا العفو عند المقدرة والصفح عند المقدرة، أما الإنسان العاجز يجي شخص –مثلًا- ضعيف يضربه ويضربه ويضربه، ويقول: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك، عفا الله عنك، وهو (...) هل هذا يُحْمد؟! لأنه عاجز.
* * *
* طالب: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)