×

فصلت

الآية ٣٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٣٦﴾

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، شوف مدافعة العدو من غير بني آدم، لم يقل: ادفع بالتي هي أحسن، قال: الجأ إلى الله؛ لأنك لا تستطيع أن تدفع الشيطان إلا باللجوء إلى الله عز وجل، إذ إن الشيطان ليس أمامك حتى تلوي عنقه وتقتله، ولكنه لا يدفعه إلا الله، ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [فصلت ٣٦]. فالمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها أنه لما ذكر مدافعة العدو من بني آدم ذكر مدافعة العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. قال: (إما) (فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة)، (إما) أصلها (وإن ينزغنك) لكن (ما) الزائدة تُزاد كثيرًا في أدوات الشرط كقوله هنا: (وإما ينزغنك)، وكقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠]. ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ يعني: إن ينزغك ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] (أي: يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ). المؤلف -رحمه الله- إذا نظرنا إلى تفسيره وجدناه يقصر هذه الآية على شيء معين، وهي إن صرفنا الشيطان عن المدافعة بالتي هي أحسن فاستعذ بالله. والصواب خلاف ذلك، الصواب: أن الآية عامة، ولهذا قال: ﴿إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ أي: يصيبنك. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (نزغ) نكرة في سياق إيش؟ * طالب: النفي. * الشيخ: خطأ، اقرأ الآية ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت ٣٦] نكرة في سياق؟ * طالب: نكرة في سياق الشرط. * الشيخ: في سياق الشرط، فتكون عامة سواء كان في المدافعة بالتي هي أحسن أو غير ذلك، كلما أصابك نزغ من الشيطان فاستعذ بالله، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي شكا إليه الوسوسة في الصلاة أمره أن يستعيذ بالله قال: «يتفُل عن يسارِه ثلاثًا ويستعيذ بالله»[[أخرجه مسلم (٢٢٠٣ / ٦٨) من حديث عثمان بن أبي العاص.]]. المهم: أنه متى نزغك من الشيطان نزغ فالجأ إلى من يستطيع دفعه؛ الله عز وجل، لكن كيف أعرف أن الشيطان نزغ أحدًا؟ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، كلما رأيت أنه ألقي في روعك أن تفعل معصية فاعلم أنه نزغ من الشيطان، كلما ألقي في روعك أنك تترك طاعة فهذا نزغ من الشيطان استعذ بالله؛ لأن الشيطان ليس شيئًا محسوسًا يحسه الإنسان فيراه ويسمعه، لكن يُعرف بما يلقي في القلب. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦] أي اعتصم به، قال المؤلف: (جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف؛ أي: يدفعه عنك)، أين الأمر؟ (استعذ) يعني كأن قائلًا يقول: وإذا استعذت فما النتيجة؟ النتيجة أن يدفعه الله عنك لأن الله تعالى لم يأمرك بالاستعاذة به -والاستعاذة كما تعرفون هي الاستجارة مما يسوء- استعذ بالله يدفعه عنك. (﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول ﴿الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦] بالفعل) هذه الجملة تعليلية، لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ يعني: فإنك إذا استعذت منه بالله سمعك، وإنه عليم بكيفية دفع هذا الشيطان الذي نزغك منه نزغ فهو سميع لقولك إذا استعذت به عليم بما يدفع به عنك هذا الشيطان. * في الآية فوائد: منها: انتفاء تساوي الحسنات بعضها ببعض، وانتفاء تساوي السيئات بعضها ببعض. * فيترتب على ذلك فائدة: أن الحسنات تتفاوت والسيئات تتفاوت، فمن الحسنات ما هو أصول في الإسلام كالأصول الخمسة، ومنه ما هو دون ذلك، ومنه ما هو فرائض، ومنه ما هو نوافل. في المحرمات ما هو شرك مخرج عن الملة وما هو شرك دون ذلك، وكذلك يُقال في الكفر، ومنه ما هو فسوق ومنه ما هو دون ذلك، هذا إذا قلنا: إن المراد أن الحسنات لا تتساوى والسيئات لا تتساوى. أما إذا قلنا: لا تستوي الحسنة ولا السيئة؛ أي: إن الحسنة والسيئة لا يتساويان فيفيد الحث على فعل الحسنات في مقابل السيئات، وليس الفائدة أن يعلم أن الحسنة لا تساوي السيئة؛ لأن هذا أمر معلوم، ولا يمكن في القرآن ببلاغته أن يأتي بمثل ذلك؛ لأن هذا كقولك: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، لكن المراد الحث على أن تُقابل السيئة بحسنة. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإرشاد إلى مدافعة السيئات. * طالب: ادفع. * الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ادْفَعْ﴾، يؤخذ من قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على أعلى المقامات في مدافعة السيئات، تؤخذ من قوله: ﴿أَحْسَنُ﴾، ولم يقل: ادفع بالحسن، بل قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مقلب القلوب، فقد يكون العدو صديقًا والصديق عدوًا؛ لقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ [فصلت ٣٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك لا تأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أن أسكت أمام هذا الذي أساء إلي ولا بد أن آخذ بحقي، نقول: إذ أخذت بحقك فذلك، لكن هناك خُلُق أفضل وأكمل، وهو المدافعة بالتي هي أحسن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدافعة بالتي هي أحسن شاقة على النفس؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]، ولكن اصبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك هذه الطريق؛ وهي مدافعة السيئة بما هو أحسن، فإنه ذو نصيب عظيم من الأخلاق والثواب والرزانة والرجولة والشهامة وغير ذلك؛ لقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. * ومِن فوائد الآية: التي بعدها أن ملجأ الإنسان عند الخوف مما لا يمكنه دفعه هو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك كلما أحسست بشيء من نزغات الشيطان من تهاون بالمأمور أو ارتكاب لمحذور فعليك أن تلجأ إلى الله عز وجل. فإن قال قائل: نجد الاستعاذة مشروعةً في غير هذه الحال، مشروعة عند قراءة القرآن مثلًا، مشروعة عند دخول الخلاء، فما الجواب؟ الجواب: أن مشروعيتها عند تلاوة القرآن؛ لأن الشيطان يتسلط على الإنسان حين قراءة القرآن أن يصده عما فيه من الذكر الحكيم، يصده عن تدبره، عن الخشوع فيه، عن كون الإنسان يلتزم بأوامره ونواهيه ويصدق بأخباره. المهم أن الشيطان يحرص على الإنسان إذا أراد قراءة القرآن، فناسب أن يؤمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء موطن الشياطين، الشياطين تكون في أخبث الأماكن، والملائكة في أطيب الأماكن، ولهذا كانت المساجد بيوت الملائكة، وكانت المراحيض بيوت الشياطين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان وأن له سلطة على ابن آدم لقوله: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، وهو كذلك، والله سبحانه وتعالى سَلَّط الشيطان على بني آدم، وأيد المؤمنين بالملائكة، فإن الشيطان إذا أمر بالفحشاء فإن هناك أمرًا آخر يضاده، وهو أمر الملك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُستعاذ إلا بالله، في قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت ٣٦]، لكن هذا مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه لا استعاذة منه إلا بالله، وكذلك أيضًا لا استعاذة لمخلوق غير قادر، فمثلًا لو أن الإنسان استعاذ بميت لكان هذا شركًا؛ لأن الميت لا يمكن أن يفيدك، لكن لو استعاذ بحي فيما يقدر عليه فلا بأس بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَجَدَ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦ / ١٢) من حديث أبي هريرة.]]، فالاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة به فيما يقدر عليه وكالاستغاثة به فيما يقدر عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السميع العليم لله؛ يعني أنهما من أسماء الله عز وجل، وسبق أنه لا يتم الإيمان بالاسم إلا بثلاثة أمور إن كان متعديًّا، وبأمرين إن كان غير متعدٍّ، السميع متعدٍّ، فتثبت السميع اسمًا، والسمع صفة، وكونه يسمع أثرًا، وكذلك يُقال في العليم. وقول المؤلف رحمه الله: (السميع للقول) هذا صحيح؛ لأن متعلق السمع هي الأقوال. (العليم بالفعل) فيه نظر؛ لأن الله عليم بالفعل، عليم بالقول، عليم بما ليس بفعل ولا قول ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] فقصره على الفعل لا شك أنه قاصر، فيُقال: الصواب العليم بكل شيء من الأقوال والأفعال والإرادات والحاضر والمستقبل والماضي. * ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن بذكر المتقاربين في المعنى، وإن كان بينهما فرق من حيث الحقيقة، وجه ذلك: أنه ذكر في الآية الأولى معاملة المسيء من الإنس بأن تدفعه بالتي هي أحسن، وذكر في الثانية معاملة المسيء من غير الإنس وهو الشيطان.