تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ﴿٢٤﴾
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويش المناسبة؟ لأن هذا قد تخفى مناسبتُه؛ إذ إن الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك.
* الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس (...).
* الشيخ: ارتباطُه بما قبله، مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج؛ لأن ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا، لكنه قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: فلن يتخلَّصوا منها، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤]، ما معنى ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾؟
* الطالب: يطلبوا العُتبى.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: يعني المعذرة، يطلب المعذرة أو العذر.
* الشيخ: العذر ثم الرضا. طيب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* الطالب: أي: أن الله لن يرضى عنهم.
* الشيخ: تمام، إعراب ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؟
* طالب: الفاء بحسب ما قبلها.
* الشيخ: لا، ما هي بحسب ما قبلها، معروف ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، الفاء؟
* طالب: حرف عطف.
* الشيخ: لا.
* طالب: رابطة لجواب الشرط.
* الشيخ: رابطة لجواب الشرط. (ما)؟
* الطالب: (ما) نافية تعمل عمل (ليس).
* الشيخ: على لغة مَن؟
* الطالب: على لغة الحجازيين.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: و(هم) مبتدأ.
* الشيخ: لا، ما دمت تقول: عملها تعمل عمل (ليس)..
* الطالب: اسم (ما).
* الشيخ: اسم (ما) مبني؟
* الطالب: مبني على السكون في محل رفع، (...) (مِن) حرف جر (...) اسم مجرور بـ(من) (...).
* الشيخ: وعلامة جرِّه؟
* الطالب: للمُعْتبين.
* الشيخ: للمُعْتبينِ، إي.
* الطالب: علامة جره الكسرة.
* الشيخ: كسرة ظاهرة بآخرِه..
* الطالب: بآخره نيابة عن (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: والجار ومجرور متعلق بمحذوف.
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ، أليس كذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟
* الطالب: ما يختلف.
* الشيخ: إذن تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب.
طيب ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] هل تتفق اللغتان في هذا؟
* الطالب: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، لا.
* الشيخ: لغة تميمٍ أن يُقال؟
* الطالب: تميم (ما هذا بشرٌ).
* الشيخ: ما هذا بشرٌ. توافِقُون على ذلك؟ نعم؛ لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةٌ عمل (ليس) عند الحجازيين، فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا، إذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيد قائمًا، عرفنا أنك أيش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ، عرفْنا أنك تميمي ولهذا قال الشاعر:
وَمُهَفْهَفُ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ .............................
يعني من أين أنت؟
............................ ∗∗∗ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: أنه؟
* طلبة: تميمي.
* الشيخ: تميمي؛ إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة لإعراب (ما هم بمعتبين)، يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: (ما هم بمعتبين).
* الشيخ: هذه من كيسِك يا ولد ما هي في القرآن، ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥] إلى آخره، ﴿قَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ يقول: (سَبَّبْنَا لهم).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فصلت ٢٢] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالبعث؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تمامُ قدرةِ الله عز وجل وأنه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء؛ حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظُنُّون أن الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه، فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث، هذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة؛ لأن الذي يُنكِر البعث كافرٌ، والكافر لا حظَّ له؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم، وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية (...): أن أهل النار لن يخرجُوا منها، سواءٌ صبروا أم لم يصبروا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، ويبَيِّنُه قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٦]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النار لا تفنى؛ لقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٤] وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أن الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أن النار تفنَى في آخر النهاية، لكنَّ هذا الزعمَ باطل؛ يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف، بل نقول: إنه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف؛ وذلك لأن كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها، فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة مواضع مِن كتاب الله عز وجل. الموضع الأول؟
* طالب: في النساء.
* الشيخ: ما هو؟ الأخ يقول في النساء اذكره.
* طالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: الموضع الثاني؟
* طالب: سورة الأحزاب.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. طيب الموضع الثالث؟
* الطالب: سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: أحسنت، فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاثة.
طيب هذه ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤] قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين؛ لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
* ومنها: أنها هي المثوى، وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إن الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير، وقد بينَّا أن هذه الكلمة كلمة كُفْرٍ لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها؛ يعني: لو اعتقد أن القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إن القبر ليس المثوى الأخير.