تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴿٣٥﴾
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء ٣٥] وهذه المرحلة الرابعة، المرحلة الرابعة بعد المراحل الثلاث وهي؟
* الطلبة: الموعظة.
* الشيخ: الموعظة.
* الطلبة: الهجر.
* الشيخ: الهجر في المضاجع.
* الطلبة: الضرب.
* الشيخ: الضرب. إن خفن الشقاق؛ بمعنى أنها لم تثمر هذه المراحل الثلاث، فحينئذٍ يوجه الخطاب للأمَّة ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾، ولم يقل: فليبعثا حكمًا، فهنا انعزل الزوجان وصار المجال مجال غيرهما، مجال من؟ مجال الحاكم الشرعي الذي يمثل الأمَّة، وعلى هذا فيكون ﴿ابْعَثُوا﴾ خطابًا للأمَّة، لكن ليس المعنى أن كل واحد في السوق وفي المسجد وفي الدكان يبعث، ينوب عن الأمَّة من؟ الحاكم الشرعي، فيكون الخطاب هنا للأمَّة مرادًا بها من يمثلها وهو الحاكم الشرعي.
﴿ابْعَثُوا﴾ أي: أرسلوا، البعث بمعنى الإرسال.
﴿ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (حَكَم) الْحَكَم: ذو الْحُكْم النافذ؛ يعني المحكَّم، فهو أخص من الحاكم، الْحَكَم أخص من الحاكم لأنه ذو الْحُكْم النافذ، فهو محكَّم، ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، والْحَكَم لا بد أن يكون ذا علم، وأن يكون ذا بصيرة في الواقع، ومعلوم أنه لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا عالمًا بالحكم الشرعي وعالمًا بالواقع -واقع الزوجين- وما هي المشاكل وما الذي أثار هذه المشاكل؛ لأن الْحَكَم لا بد فيه من هذه الأوصاف، أما أن يأتي إنسان عاميٌّ أو غشيمٌ ثم يريد أن يكون حَكَمًا بين الزوجين هذا لا يصح، لا بد أن يكون هذا الْحَكَم عالمًا بالشرع، عالمًا بأحوال الزوجين، ذا تعقل وتأن وبصيرة، فإذا اجتمع الْحَكَمان فهنا تأتي النية ويكون لها تدخل؛ فإما أن يريد الْحَكَم من أهل الزوج أن ينتصر الزوج والْحَكَم من أهل الزوجة أن تنتصر الزوجة وفي هذه الحال لا يوفَّق الرجلان، لا يوفَّقان؛ لأن النية هنا غير سليمة، وإما أن يكون المراد من الْحَكَم من أهل الزوج والْحَكَم من أهل المرأة الإصلاح بينهما، فحينئذٍ يقول الله عز وجل وهو القادر الصادق في قيله يقول: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، الضمير في قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ يعود إلى الْحَكَمين؛ لأنهما هما اللذان يريدان أن يحكما ونية الإصلاح تكون منهما لا من الزوجين؛ لأن الزوجين بينهما شقاق، كل واحد منهما يريد أن ينتصر لنفسه، فالغالب أنهما لا يريدان الإصلاح، لكن الذي يريد الإصلاح هما الْحَكَمان.
وقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الضمير في بينهما هل يعود على الزوجين اللذين خفن الشقاق بينهما أو يعود على الْحَكَمين اللذين يُدلي كل واحد منهما بما يرى أنه حجة؟ فيه احتمالان؛ الاحتمال الأول: أن يعود إلى الزوجين؛ لأن القضية في شأنهما، قضية أيش؟ القضية الشقاق، لكن الْحَكَمان ينظران في شأن الزوجين، فيكون الضمير عائدًا إلى من؟ إلى الزوجين. ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الْحَكَمين؛ يعني الْحَكَمان سيأتي كل واحد منهما بما يقابل الآخر، فيكون المراد ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: تلتئم أقوالهما ولا يحصل بينهما نزاع، فلا ينتصر الْحَكَم من أهل الزوج للزوج ولا الْحَكَم من أهل الزوجة للزوجة.
طيب، فإذا قيل: لماذا لا نقول بأنه عام لهذا وهذا؟
فالجواب: نقول بهذا، الجواب أن نقول بهذا، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ بين الْحَكَمين، فإذا اتفقا فإن الله تعالى أيضًا بمنِّه وكرمه يوفِّق بين الزوجين.
﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أي: عالم خبير، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، العلم ببواطن الأمور هو الخبرة، والعلم بالظواهر والبواطن هو العلم، وعلى هذا فيكون ذكر الخبير بعد العليم من باب ذكر الخاص بعد العام، والجملة استئنافية لبيان لطف الله عز وجل فيما يجري من الْحَكَمين بأنه عز وجل عالم خبير بما يحدث بينهما من الْحُكْم بين الزوجين.
* في هاتين الآيتين من الفوائد فوائد كثيرة:
* أولا: فضل الرجال على النساء، وجهه أن الله جعل الرجال قوامين على النساء.
* ثانيا: بيان أن أحكام الله عز وجل الكونية والشرعية معلَّلة بعلل، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
* الشيخ: السببية يعني، ذكر السببية، إذن أفعال الله معلَّلة بعلل، كذا؟ طيب.
يلزم من كون أفعال الله أو أحكام الله الشرعية والكونية معلَّلة بعلل إثبات الحكمة وأن الله تعالى حكيم.
* ومن فوائد هاتين الآيتين الكريمتين: التفضيل بين البشر.
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
* الشيخ: طيب، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
فإن قال قائل: هل للمفضَّل عليه أن يحتج على الله فيقول: يا رب لِمَ فضلتَ هذا عليَّ؟
* طالب: ليس له ذلك.
* الشيخ: ليس له ذلك، لماذا؟
* الطالب: الله عز وجل (...).
* الشيخ: ما هو بواضح.
* طالب: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد ٢١]
* الشيخ: نعم، يقال للمفضَّل عليه: هل منعك الله حقك؟ إن كان الأمر كذلك فلك الحجة، وإلا ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما «ضرب النبي ﷺ مثلًا لليهود والنصارى وهذه الأمَّة برجل استأجر أُجَراء من الصباح إلى الظهر ومن الظهر إلى العصر فأعطى كل واحد قيراطًا قيراطًا، ومن العصر إلى الغروب أعطاهم على قيراطين قيراطين، فقال الأولون: لماذا نُعطَى على دينار ونحن أكثر عملًا؟ فقال: هل نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء»[[أخرجه البخاري (٢٢٦٨) من حديث عبد الله بن عمر.]]. عرفتم؟ إذن لا حجة للمفضَّل عليه على الله عز وجل بالتفضيل. ولكن ماذا يصنع المفضَّل عليه؟
أشار الله إلى ذلك في آية سبقت فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٣٢]، اسأل الله من فضله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للمنفِق على المنفَق عليه فضلًا، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة السؤال، كراهة سؤال الناس.
* طالب: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله عز وجل بيَّن سبب التفضيل أنه سبب التفضيل الإنفاق، هو عكس السؤال.
* طالب آخر: شيخ قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ يعني (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ هم أنفقوا على النساء ولم يطلبوا منهم النفقة.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...) ولم يسألوا.
* الشيخ: كون المنفق له فضل على المنفق عليه يكون سؤالك إياه ذلا؛ لأنك إذا سألته فقد أثبتَّ له فضلًا عليك، إذا سألته وأعطاك أثبتَّ له فضلًا عليك، وهذا ذل، ولهذا «بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا، على أن لا يسألوا الناس شيئًا مطلقًا، حتى كان سوط أحدهم يسقط من على ظهر بعيره فينزل فيأخذه ويركب ولا يقول للناس أعطوني إياه »[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]؛ لأن سؤالك الناس ذل.
طيب، جعل الله للرجال فضلًا على النساء بإنفاق المال، إذن الذي ينفق عليك له فضل عليك، إذا سألته صار له فضل ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: له فضل، إذن أذللتَ نفسك أمامه حيث جعلتَ له فضلًا عليك.
* طالب: إذا كان الإنفاق من الواجبات ففيه الذل؟ يعني إذا كان لنفقة الزوجة وهو فرض واجب ففيه ذل؟ يعني أي ذل؟
* الشيخ: ما فيه شك أنه كونه ينفق عليها لا شك أنه له سيطرة عليها بهذا الإنفاق، له فضل عليها لا شك، حتى لو هو واجب.
* طالب: الإنفاق على الأب واجب إذا كان الأب يعني لا يستطيع أن..
* الشيخ: الآن الذي ينفق على النساء -ولو كانت النفقة واجبة- يرى المنفَق عليه أن له فضلًا عليه.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلتم في البداية بأن الضوابط تفيد طالب العلم، فكيف نعرف الضوابط ونجمعها؟
* الشيخ: إي، أنا أشرت إلى هذا، قلت لك: إن تعاليل الفقهاء رحمهم الله كلها ضوابط؛ التعليلية تجدها في الروض المربع مثلًا أو في الشرح الممتع والإقناع أو المجموع للنووي أو غيرها، كل التعاليل هذه ضوابط، وأنا قلت لكم أول ما بدأنا في درس زاد المستقنع قلت لكم: لو أن أحدكم انتدب ليجمع هذه الضوابط أو التعليلات التي يعلل بها أفادنا وأفاد نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ولاية للنساء على الرجال لا في قضاء ولا إمارة ولا أي شيء؛ لقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فمن عكس فقد خالف سُنَّة الله عز وجل، من جعل للمرأة الولاية فقد خالف سُنَّة الله.
فإن قال قائل: أليست الأم تكون ولية على أولادها وعلى أموالهم؟
قلنا: هذه ولاية خاصة وولاية طارئة بخلاف الولاية العامة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة.]].
فإن قال قائل: نجد بعض النساء تكون رئيسة للوزراء، تكون رئيسة الجمهورية، تكون ملكة.
قلنا: ولكن انظر إلى حال المولَّى عليهم، لو لم تقم عليهم هذه المرأة لكانوا أصلح حالًا بلا شك ولكانوا أفلح وأنجح، ولكن تأخروا بمقدار ما تولت عليهم هذه المرأة، وانظر مثلًا إلى بريطانيا، كانت بريطانيا أكبر دول المستعمرين استعمارًا حتى قيل: إنها لا تغيب الشمس عن مستعمراتها. والآن تقلصت حتى صارت في المرتبة الثالثة، كل ذلك لأنها تستولي عليها النساء.
انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وقلنا: إنه يُستنبط منها كراهة السؤال -سؤال المال- لأن الله جعل للمعطي فضلًا على المعطَى، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا يَدُ الْمُعْطِي، وَالْيَدُ السُّفْلَى يَدُ الْآخِذِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٩) ومسلم (١٠٣٣ / ٩٤) من حديث عبد الله بن عمر. ]].
* ومن فوائد هاتين الآيتين قوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، والمال كما هو معروف كل ما يتموَّل من أعيان ومنافع وغيرها، كل ما يتموَّل، فيؤخذ منه: أن هؤلاء لا ينفقون إلا مما تيقنوا أنه مالهم وأنهم لا يعتدون على أموال أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النساء ينقسمن إلى قسمين.
* طالب: النساء تنقسم إلى قسمين: حافظات، وغير حافظات.
* طالب آخر: صالحة مطيعة لزوجها، وناشزة.
* الشيخ: نعم، صالحة مطيعة لزوجها، وناشزة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على حفظ الغيب؛ أي: على ما كان سرًّا بينك وبين أخيك. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.
* الشيخ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للزوج السلطة على زوجته. من أين تؤخذ؟
* طالب: شيخ، ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: طيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التدرج في التأديب.
* طالب: التدرج: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بعدين ﴿اهْجُرُوهُنَّ﴾ بعدين ﴿اضْرِبُوهُنَّ﴾.
* الشيخ: طيب.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
* طالب: عند أمره بالتأديب ياشيخ، فقال..
* الشيخ: يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
* الطالب: حيث إنه ربما لا يفيد الوعظ، فينتقل إلى الهجر في المضجع أو الضرب لأنه قد يكون أكثر نتيجة.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ومن فوائد الآية: أنه إذا أمكن التأديب بالخطاب الديني الشرعي فإنه لا يرجع إلى التأديب بالفعل المحسوس.
* طالب: ما تبغون عليهن؛ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأن الله سبحانه وتعالى جعل الهجر والضرب بعد الموعظة.
* الشيخ: بدأ بالموعظة التي هي تليين القلب بالشرع، فإذا لم يمكن فبالعقوبة.
* ومن فوائد هذه الآيات: الإشارة إلى أن فراش الزوج والزوجة واحد.
* طالب: من قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، فدل ذلك على أن هجر الإنسان لفراش زوجته لا يكون إلا عند النشوز.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم نشوز المرأة على زوجها.
* طالب: هو ترتيب هذا التعذيب يدل على أنه حرام النشوز.
* الشيخ: نعم؛ حيث قوبل هذا النشوز بالموعظة ثم الهجر ثم الضرب.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أنه لا يجوز الهجر بالكلام.
* طالب: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: حين أتبع قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ أتبعه بقوله: ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
* الشيخ: ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾، وهل يجوز الهجر في الكلام؟
الجواب: يجوز في خلال ثلاثة أيام فقط؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالْكَلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧) ومسلم (٢٥٦٠ / ٢٥) من حديث أبي أيوب الأنصاري بلفظ: «يبدأ بالسلام».]].
* ومن فوائد الآيات: بطلان قول بعض علماء التربية المعاصرين الذين يقولون: إنه لا تحصل التربية بالضرب؛ من قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
وهل في السُّنَّة الشاهد على ذلك أيضًا؟
نعم، هو قوله ﷺ: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٤٩٥) وأحمد في مسنده (٦٧٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، وبهذا يبطل قول علماء التربية الذين قالوا: إن الضرب لا يفيد وإنما يقسي القلب.
* ومن فوائد الآيات: المكافأة بالمثْل.
* طالب: عند الطاعة؛ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: أنه عند الطاعة لا يجوز للإنسان أن يبغي عليها سبيلا.
* ومن فوائدها: التغاضي عما مضى.
* طالب: من قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأنه يشمل ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ يشمل الماضي والمستقبل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الذي له العلو المطلق هو الله، فلا تتعالَ على غيرك.
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. «ورأى النبي ﷺ رجلًا يضرب غلامه، فقال له عليه الصلاة والسلام؛ سمع الرجل -هذا الصحابي- صوتًا: «يَا فُلَانُ، يَا فُلَانُ، اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ». فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأعتق العبد»[[أخرجه مسلم (١٦٥٩ / ٣٤) من حديث أبي مسعود البدري.]]. ففي هذا الإشارة.. كل إنسان يتعالى في نفسه أن يتذكر علو الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: العلي، الكبير.
هل علو الله معنوي أو حسي؟
* طالب: علو حسي ومعنوي.
* الشيخ: حسي ومعنوي، يشمل؟
* الطالب: يشمل علو الذات وعلو القدر.
* الشيخ: وعلو الصفات؛ علو الذات، وعلو الصفات يشمل القدر والقهر.
ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة ومذهب من خالفهم؟
* طالب: (...) يثبتون لله (...) بجلاله وعظمته (...).
* الشيخ: يثبتون لله المعنيين: علو الذات وعلو الصفات. من خالفهم؟
* طالب: قالوا: الله حالٌّ بين العباد.
* الشيخ: في كل مكان، هذا واحد، وطائفة أخرى؟
* الطالب: الاتحادية.
* الشيخ: لا.
* طالب: المعتزلة والأشاعرة.
* الشيخ: الذين قالوا؟
* طالب: علو الصفات دون علو الذات.
* الشيخ: إي، لكن ماذا يقولون؟ حتى الذين قالوا: بذاته في كل مكان، ينكرون علو الذات.
* طالب: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا فوق ولا تحت ولا محايد.
* الشيخ: تمام، يعني إذن طائفتان متطرفتان: طائفة أثبتت أن الله في كل مكان، وطائفة نفت أن يكون الله في مكان، عرفتم؟ طائفة قالت: نقول: إن الله لا فوق العالم ولا تحته ولا داخله ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا مباين ولا محايد، ولا نصفه بأي شيء من هذا. وهؤلاء في الحقيقة كما قال محمود بن سبكتكين لابن فورك؛ قال: بيِّن لي الفرق بين إلهك وبين العدم. وصحيح هذا هو العدم، والذين قالوا: الله بيأتي في كل مكان، أيضًا لم يقدروا الله حق قدره؛ لأنهم جعلوه في أماكن القذر وأماكن الشرف وأماكن اللغو وفي كل مكان، إذن نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ بذاته فوق جميع الخلق، وأن كل الخلق بالنسبة إليه ليس إلا أيش؟ كحبة خردل في كف أحدنا، وليس بشيء بالنسبة لله عز وجل.
الكبير هنا المراد بالكبير ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني الكبرياء أو ما هو أعم؟
* طالب: ما هو أعم.
* الشيخ: ما هو أعم؛ يعني الكبرياء الذي هو الكبر المعنوي؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية ٣٧] وقال سبحانه وتعالى: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر ٢٣]، وكذلك أن كل شيء بالنسبة إلى ذاته ليس بشيء.
* من فوائد الآية الكريمة الثانية: وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع.
* طالب: من قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾.
* الشيخ: ﴿فَابْعَثُوا﴾، والخطاب هنا قلنا لولاة الأمور.
* ومن فوائد الآية الثانية الكريمة: أن المبعوثين حَكَمان وليسا وكيلين كما قاله بعض العلماء.
* طالب: من قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾، والْحَكَم مستقل ولَّا وكيل؟
* طالب: مستقل.
* الشيخ: مستقل؟ طيب.
* * *
* طالب: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء ٣٥، ٣٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
نحن بصدد استنباط الفوائد والأحكام من الآية التي قرأ الأخ، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وذكرنا فوائد، كم؟
* طالب: واحد وعشرين.
* الشيخ: واحد وعشرين فائدة.
* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون عند الْحَكَمين علم بالشرع؛ لأن الْحَكَم لا يمكن أن يحكم إلا بعد العلم، ولا بد أن يكون لديهما أمانة وثقة دينية؛ لأن غير الثقة لا يؤمَن، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦].
والحاكم مخبر وملزِم وفاصل؛ فهو مخبر عن حكم الله، ملزِم بما يحكم به، فاصلٌ بين الخصمين، فلا بد أن يكون عدلًا في دينه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالمًا بأحوال من يحكم فيهم؛ لقوله: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأن الذي من أهله وأهلها أقرب إلى العلم بحالهما من الرجل الأجنبي، وعلى هذا فلا ينبغي أن يولي قاضيًا على قوم لا يعرف طبائعهم ولا يعرف لسانهم ولا يعرف أحوالهم؛ فإن هذا يفوت به شيء كثير من القضاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حكم القريب لقريبه أو عليه؛ أما حكمه عليه فلا إشكال فيه لانتفاء التهمة، وأما حكمه له فقد يكون فيه تهمة، حكم القريب للقريب، فما هو الشيء الذي يمكن أن تكون فيه التهمة التي تمنع من نفوذ الحكم؟
قال بعض العلماء: إن الإنسان لا يحكم لأصله ولا لفرعه ولا لزوجه؛ لأنه متهم لقوة الصلة؛ ففرْعُه بعضٌ منه؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٤) من حديث المسور بن مخرمة.]]، وأصله هو بعض منه، وعلى هذا فلا يحكم لأصله ولا لفرعه.
والقول الصحيح أنه يحكم لأصله وفرعه إذا قويت الثقة، ونتأكد هنا في الثقة أكثر مما نتأكد من الأجنبي أو من القريب البعيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى حُسن النية في الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وأنه يجب على الإنسان المحكَّم أن يكون رائده الإصلاح لا غير، لا إرضاء فلان ولا فلان، الإصلاح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وعلى هذا فنأخذ فائدتين معاكستين: تحريم سوء النية في الحكم، وأن سوء النية يُفضي إلى فساد الأمر؛ لأن ما حصل بشيء فات بفواته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمور بيد الله عز وجل، حتى الأمور الجزئية؛ لقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فيكون في هذا ردٌّ على المعتزلة الذين يرون أن العباد يخلقون أفعالهم ولا علاقة لله بها، وهم القدرية، هم المعتزلة قدرية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، وجهه أنهما لما أرادا الإصلاح أثابهم الله عز وجل بالتوفيق؛ لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفتي العلم والخبرة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، والخبرة أخصُّ من العلم؛ لأنها العلم ببواطن الأمور.
وهل يستفاد من قوله: ﴿كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أنه الآن ليس كذلك؟
* طالب: لا، كان ولا زال.
* الشيخ: كيف نفهم كان ولا زال مع أن ﴿كَانَ﴾ فعل ماض؟
* الطالب: لأنها ليست على بابها.
* الشيخ: ليست على بابها، ما المراد بها؟
* الطالب: المراد بها التحقيق.
* الشيخ: تحقيق الصفة، تمام، فهي مسلوبة الزمان.
أظن ذكرنا أن الْحَكَمين لهما أن يفرقا ويجمعا بعوض وبغير عوض.
* إذن يستفاد من الآية الكريمة: أن لهذين الْحَكَمين التفريق والتوفيق بين الزوجين اللذين خيف الشقاق بينهما سواء بعوض أو بدون عوض.
* ومن الفوائد أيضا: أن حكمهما ملزِم؛ لأن الله سماهما حَكَمين، والْحَكَم قوله لازم وفصله فصل.