تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴿٣٤﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ إلى آخره.
﴿الرِّجَالُ﴾ جمع (رجل) وهو جمع تكسير، ورجل هو البالغ من بني آدم الذكور، البالغ من بني آدم الذكور يسمى رجلًا، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ؛ ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (٣ / ١٦١٥) من حديث ابن عباس.]]، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة (ذكر) ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.
فإذا قال قائل: إذن ذكر (الرجل) زيادة، زيادة لا معنى لها؟ فالجواب: بلى لها معنى وهو الإشارة إلى أنه -أي الذكر- كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسؤوليات لا تترتب على المرأة.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ﴿قَوَّامُونَ﴾ جمع (قوّام)، و(قوّام) صيغة مبالغة من (قائم)، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة (قوّامون)؛ لأن (قوّامون) صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال.
وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾ جمع أيش؟ جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع (امرأة)، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فـ(إبل) جمعٌ لا واحد له من لفظه؛ جمع (بعير).
ويقول على النساء: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الباء هنا للسببية و(ما) يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلتها موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض، وحذف العائد المجرور مشهور في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه.
يقول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿فَضَّلَ﴾ زاد، الفضل هو الزيادة، أي: زاد بعضهم على بعض، والمزيد هو من؟ من المزيد؟ الرجال، والمزيد عليه النساء، إذن ﴿بَعْضَهُمْ﴾ (بعض) هنا تعود على الرجال، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ تعود على النساء، فما الذي فضل الله به الرجال على النساء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقتضي بعد: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: فضلهم بعضهم.
* الشيخ: يعني بالقوة الظاهرة والباطنة، فبالقوة الظاهرة قوة البدن؛ ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم تجده أقوى من الأنثى وأكبر عضلات وأشد، هذه من القوى الظاهرة، القوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل وما إلى ذلك.
* طالب: والشجاعة.
* الشيخ: إي نعم، والشجاعة والعزم. المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة.
السبب الثاني: قال: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذا تفضيل خارجي، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ أي: الرجال، ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: على النساء، فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق على المرأة والمرأة ضعيفة لا تستطيع أن تكتسب، فالرجل هو المسؤول.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي القوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال صار الرجل أفضل من المرأة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الوصية مستقلة، يوصي لهولاء ولغيرهم حسب ما يرى المصلحة.
* طالب: النبوة والرسالة (...)؟
* الشيخ: هو الظاهر؛ لأن استعداد الرجل للنبوة والرسالة أكمل من استعداد المرأة.
* * *
* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء ٣٤، ٣٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
هذا مبتدأ درس الليلة، وقبل البدء بذلك نهنئكم بما من الله به علينا جميعًا من إكمال هذا الشهر المبارك شهر رمضان صيامًا وقيامًا، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عن التفريط والإهمال، ومن حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أنه ما انتهى هذا الشهر الكريم -الذي صيامه وقيامه سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب- إلا وأعقبه مباشرة شهور الحج إلى بيت الله الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٢١)، ومسلم (٤٣٨ / ١٣٥٠) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.]]، فمواسم الخير -ولله الحمد- متعددة كثيرة؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى كتب كتابًا عنده أن رحمته سبقت غضبه؛ ولهذا كانت أسباب الرحمة أكثر بكثير من أسباب العقوبة والأخذ، كل هذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعبد.
والذي ينبغي للمسلم إذا عمل الطاعة أن يكون إلى الرجاء أقرب منه إلى الخوف، فإذا كنا نرجو الله سبحانه وتعالى الذي منَّ علينا بالعمل أن يتقبله منا حتى ندرك هذا الفضل العظيم، فلا ينبغي أن نرجع بعده إلى سوء الأعمال والإهمال والتفريط، بل يكون ذلك حافزًا لنا على الجد والاجتهاد في العمل الصالح، من فعل العبادات الخاصة، ونفع العباد على سبيل العموم بكل ما نستطيع ولو بالكلمة الطيبة، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، بالتعليم، حتى بإلقاء السلام، فإن إلقاء السلام من أسباب دخول الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٩٣ / ٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، فإفشاء السلام من أسباب المحبة، والمحبة من كمال الإيمان، والإيمان من أسباب دخول الجنة، فهي حلقات سلسلة يتبع بعضها بعضًا.
ومع الأسف إن كثيرًا من الناس ولا سيما خواص الطلبة نجدهم لا يفشون السلام فيما بينهم، يمر الواحد بأخيه فلا يلقي إليه السلام، وهذا لا شك أنه خطأ وخلاف الآداب الشرعية التي هي من ثمرات طلب العلم، والعلم إذا لم يكن نافعًا فالجهل خير منه؛ لأن الجاهل يعرف نفسه وقد يتعلم، والجاهل معذور بخلاف العالم.
كذلك يجب علينا إلقاء المودة بيننا ولا سيما الأقارب، فإن «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عَضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، وأخرجه مسلم (٦٦ / ٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير واللفظ له.]].
ومما ينبغي -بل يجب- على طالب العلم إذا كان يريد العلم حقيقة أن يحرص على العلم بقدر استطاعته ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا؛ لأن العلم مناله رفيع وعالٍ، وقد قيل: أعط العلم كلك تأخذ بعضه، فإن أعطيته بعضك فاتك كله، فلا بد من الحرص والجمع؛ جمع الفوائد والضوابط والقواعد؛ لأن هذا أنفع لطالب العلم من معرفة المسائل الفردية، معرفة المسائل الفردية يشترك فيها العامي وطالب العلم، لكن الجمع بين النظائر وجمع القواعد والضوابط هذه مفيدة لطالب العلم، فمثلًا نجد في كتب الفقهاء تعليلات دائمة للأحكام الشرعية.
لو أن طالب العلم قيدها -هذه التعليلات- لكانت ضوابط ينبني عليها مسائل كثيرة، وبإمكانه إذا رأى أن هذه الضابط لا ينضبط وأنه ينتقض في بعض المسائل أن يسأل ويبحث مع من هو أكبر منه في العلم ويقول: لماذا نعلل بهذا ثم تنتقض العلة؟ لأنه قد يظن طالب العلم أن هذه العلة منتقضة وهي في الحقيقة غير منتقضة، لكن يشتبه عليه الأمر فيظن أنها منتقضة، ولكنها ليست منتقضة؛ لأن الصورة التي نقضت بها يكون بينها وبين ما تقتضيه هذه القاعدة وهذا الضابط فرق لا يشعر به طالب العلم الصغير؛ لذلك ينبغي لطالب العلم أن يجمع الضوابط والقواعد والمسائل المتماثلة حتى يدرك العلم تمامًا.
أما العلم السطحي الذي يلقطه الإنسان كما يلقط الجرَّاد حبة حبة، فهذا يوشك أن يطير ولا ينتفع به صاحبه، لكن العلم الراسخ الذي يتمكن الإنسان به من تطبيق المسائل على أصولها هو ما ذكرت هنا، وأؤكد عليه بمعرفة الضوابط والقواعد والجمع والتقسيم حتى يحصل الإنسان على العلم.
ثم إنه من المعلوم ولا سيما في عصرنا الحاضر لكثرة طلبة العلم -ولله الحمد- ولقصور بعض الطلبة من وجه آخر تحصل الاختلافات، تحصل الاختلافات بين مدرسيكم مثلًا في الكلية أو بين من تسمعون من الخارج، فيحصل لبس على طالب العلم، وذلك أن بعض الناس يكون شغوفًا بالعلم محبًا للنفع فيتسرع في نشر ما يراه علمًا بين الناس من أجل أن ينتفع به الناس، ولكنه يكون فيه خلل، فيلتبس على طالب العلم؛ ولهذا يحسن إذا رأى الإنسان من الناس اختلافًا في شيء من المسائل أن يناقش فيها من يكون بينهم الاختلاف حتى يتبين الأمر؛ لأن بعض الناس ينظر إلى المسائل أو إلى الدلائل بعين واحدة، فيحصل بذلك خلل كثير، وربما يكون قاصر العلم أو قاصر الفهم فيشتبه عليه الأمر، ويكون محبًّا لنشر العلم فينشر ما تبين له أو ما ظهر له وإن كان على خلاف الحق؛ لأنه يحب أن ينشر العلم.
وما كثرة الرسائل الآن أو النشرات التي تنشر حتى على أبواب المساجد تلصَّق وعلى الجدران ببعيد، فإن من هذه النشرات ما هو خطأ قطعًا، لا يشك طالب العلم أنه خطأ، إما أحاديث موضوعة أو ضعيفة أو أحكام خطأ، كل هذا من محبة بعض الناس لنشر علمه لكن على غير أساس. فمثل هذه الأمور ينبغي التحرز منها، وأن يبحث الإنسان ويناقش حتى يكون على بينة.
أحببنا أن نقول هذه الكلمة في افتتاح الدرس بعد شهر رمضان المبارك -أعاده الله علينا وعليكم وعلى المسلمين بالخير واليمن والبركة- لأن هذه يكون الإنسان فيها نشيطًا، يجد من نفسه أن معه نشاطًا في استقبال وقته في طلب العلم، نسأل الله لنا ولكم العون.
أما الآية التي قرأتموها الآن فقد فسرناها فيما أظن أو فسرنا أكثرها؟ أليس كذلك؟ نعم.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ﴿قَوَّامُونَ﴾ هذه صيغة مبالغة أو نسبة، والمراد بالقيام هنا ليس القيام الذي هو الوقوف على الرجلين ولكنه قيام الولاية، فمعنى ﴿قَوَّامُونَ﴾ أي: بالولاية والسلطة، فيحتمل أن تكون نسبة، ويحتمل أن تكون مبالغة، ويحتمل المعنيين جميعًا أنها نسبة ومبالغة، فالرجل قوَّام على المرأة ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؛ ولذلك تكون لهم الولاية والقضاء والإمارة وغير ذلك مما فيه سلطة دون النساء.
وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (الباء) هنا للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد، وإن كانت موصولة احتاجت إلى العائد ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فعلى القول بأنها مصدرية يكون تقدير الكلام: بتفضيل الله بعضهم على بعض، وعلى أنها موصولة يكون تقدير الكلام: بالذي فضل الله به بعضهم على بعض، ويكون العائد محذوفًا بحرف الجر، كقوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه، مما تشربون منه، وحذف العائد المجرور جائز إن اتفق الحرفان لفظًا ومعنًى.
وقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ التفضيل بمعنى الزيادة، بما فضل الله به بعضهم على بعض، والتفضيل بين الرجال والنساء ظاهر، في العقل والتفكير والجسم والشجاعة وكل شيء، جميع الخصال والأخلاق نجد أن الرجال مفضلون على النساء، وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلًا: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا يعني أن كل واحد من التابعين أفضل من كل واحد من تابعي التابعين؛ إذ يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين.
فقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد؛ ولهذا لا يرد علينا أو لا يورد علينا مورد فيقول: نجد رجلًا أبله لا يعرف، تقابله امرأة ذكية فاهمة تعرف؟ نقول: هذا لا عبرة به؛ لأن العبرة بماذا؟ بالجنس ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء ٣٤] هذه عطف على قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ﴾ أي: وبالذي أنفقوا من أموالهم؛ لأن المنفق على النساء هم الرجال، فالرجال منفقون على النساء لأنهم هم الذين يكتسبون، الزوج ينفق على زوجته ولو كانت غنية، والأب ينفق على أهله، وهو مصدر الإنفاق، فمن أجل ذلك صار لهم القوامة بتفضيلهم خِلْقةً وخُلُقًا وعقلًا وفكرًا، ولفضلهم على النساء بأيش؟ بالإنفاق، فهم قوامون بتفضيل الله إياهم وبفضلهم هم على النساء ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
ثم قسم الله عز وجل النساء إلى قسمين فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ ﴿الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ ﴿الصَّالِحَاتُ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتَاتٌ﴾ خبره، ﴿حَافِظَاتٌ﴾ خبر ثان.
﴿الصَّالِحَاتُ﴾ يعني الموصوفات بالصلاح، وهنا يمكن أن نقول: إن ﴿الصَّالِحَاتُ﴾ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: فالنساء الصالحات؛ ومَن هي الصالحة؟ الصالحة ضد الفاسدة، وهي التي قامت بحق الله وحق زوجها، هذه الصالحة.
وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ أي: مديمات للصلاح؛ لأن القنوت يُراد به الدوام، وهو المراد هنا، ويحتمل أن المراد بالقانتات هنا: المطيعات لله، ويكون من باب التوكيد. ﴿الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: مطيعات لله، وبطاعتهن لله يكُنَّ طائعات لأزواجهن.
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يعني يحفظن ما غاب عن الناس، وهو السر الذي يكون في بيت الزوج ويكون بينها وبين زوجها أيضًا، فتجد المرأة الصالحة لا يمكن أن يطَّلع على ما في بيتها أحد، بل إذا سُئلتْ عما في بيتها قالت: نحن بخير. وانظر إلى إحدى امرأتي إسماعيل؛ إحداهما لما سألها إبراهيم عن حالهم شكت وتضجرت، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له يغير عتبة بابه. والثانية أثنت خيرًا وقال: إذا جاء الزوج فقولي يمسك عتبة بابه. فمن النساء من تكون شكَّاية فاضحة تحدث الناس بكل ما يكون في بيتها، بل بعضهن -والعياذ بالله- يتجرأن إلى أكثر من ذلك؛ تحدث ما يكون بينها وبين زوجها حتى في أمور السر التي لا يطَّلع عليها إلا الزوج، تحدِّث، هذه ليست من الصالحات بشيء، فقدت من الصلاح بمقدار ما فقدت من الحفظ.
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: بحفظ الله عز وجل، أو: بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه وعدم إفشائه؛ فهنَّ حافظات للغيب لا يُظهِرن بحفظ الله لهنَّ ومنَّته عليهن بالحفظ، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه، والمعنيان متلازمان.
القِسم الثاني على خلاف ذلك؛ قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ يعني: والنساء اللاتي تخافون نشوزهن، وكيف نخاف نشوزها؟ نخاف نشوزها بظهور أماراته، والنشوز هو الارتفاع، ومنه الأرض النشز؛ أي المرتفعة، والمراد بالنشوز: ترفُّع المرأة عن زوجها بحيث لا تبذل ما يجب عليها من حقوقه، أو تبذل لكن متكرِّهة متملِّلة لا يأنس بها ولا يركن إليها، فالنشوز معناه الترفُّع عما يجب لها نحو زوجها؛ وذلك بأن لا تطيعه بما تجب عليها طاعته أو تطيع لكن متبرِّمة متكرِّهة متملِّلة لا تأتيها على ما ينبغي، هذا هو النشوز، إذا نشزت المرأة سقطت الحقوق التي لها من نفقة وغيرها؛ لأن النفقة معاوضة، إذا لم يوجد عِوضها سقطت.
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ فالنشوز داء، النشوز داء، وهل له دواء؟ نعم؛ ذكر الله له دواء على ثلاث مراحل: الأولى قال: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، الثانية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، الثالثة: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، الرابعة لم يذكرها الله لأنها مكروهة عنده: طلقوهن. وهذه الأخيرة مع الأسف هي أول مرحلة عند كثير من الناس؛ كثير من الناس إذا خالفته زوجه بأدنى شيء طلقها، لكن المراحل الثلاث التي ذكرها الله هي المراحل الشرعية؛ أولًا: الموعظة؛ تعظها بأن تذكِّرها بما يلين به قلبها، هذا الموعظة، تذكِّرها بما يلين به قلبها، بأيش؟ بأن تذكِّرها بحق الزوج وما لها من ثواب إذا قامت به وما عليها من عقاب إذا خالفت، وتقول لها مثلًا: أنتِ إذا كنتِ مطيعة قائمة بما يجب لي عليكِ فإني سوف أقابلكِ بالمثل أو بأحسن، فتعدها خير الدنيا وخير الآخرة، وتخوفها من الله عز وجل إذا نشزت، فإن امتثلت فهذا المطلوب، وإلا قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ الهجر بمعنى الترك، ومنه الهجرة، وهي ترك الإنسان وطن الكفر إلى وطن الإسلام، اتركوهنَّ في المضاجع؛ يعني: لا تضاجعوهن، تكون أنت في فراش وهي في فراش، أو أنت في حجرة وهي في حجرة، هجران المضاجع، فإن استقامت فهذا هو المطلوب، وإلا ننتقل إلى المرحلة الثالثة وهي قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، وهذا فائدة القوامة التي قال: ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، ﴿اضْرِبُوهُنَّ﴾، ولكن بماذا؟
المقصود من الضرب هو التأديب، فتضرب ضربًا يحصل به تأديبها ولا يحصل به تجريحها؛ أي: جرحها؛ فتضرب ضربًا غير مبرِّح كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع قال: «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]]، فتُضرب، لكن ضربًا غير مبرِّح، ويجب أن يُتَّقى في ضربها ما أُمِر باتقائه كالوجه مثلًا فإنها لا تُضرب به، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد.
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ يعني: قُمْن بما يجب عليهن من الطاعة.
﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبْغُوا﴾ بمعنى تطلبوا عليهن سبيلًا؛ أي: واتركوا الماضي، فإن قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ليس للمستقبل فقط، بل حتى للماضي، اتركوه، تناسوه، لا تأتوا له ببحث أو إثارة؛ لأن تذكير الماضي يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية، ﴿لَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ كأنَّ شيئًا لم يكن.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ الجملة هنا استئنافية للتحذير من التعالي والكبرياء على النساء؛ لأن الرجل إذا شعر بأنه قائم على المرأة وذو سلطة عليها إلى حد أن الشرع مكَّنه من ضربها في المرحلة الثالثة ربما يتعالى عليها ويتكبر، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني: فاعلموا أن علوكم على النساء فوقه ما هو أعلى منه وهو علو الله عز وجل وكبرياء الله عز وجل، فلا تتعالوا عليهن ولا تتكبروا عليهن؛ لأن فوقكم من هو أعلى وأكبر وهو الله عز وجل.
ثم قال: ﴿