تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴿١١٨﴾
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ﴿١١٩﴾
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿وَقَالَ﴾ الفاعل من؟
* طالب: الشيطان.
* الشيخ: لا، الفاعل، ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ﴾ هي معطوفة على أيش؟
* طالب: استئناف.
* الشيخ: الواو للاستئناف، أحسنت، الواو للاستئناف؛ ولهذا يتعين الوقوف على قولك: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ قف، ﴿وَقَالَ﴾ أي: الشيطان، ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
مقول القول هو جملة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، وهذه الجملة -كما تشاهدون- مؤكدة بكم مؤكد؟
* طالب: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر.
* الشيخ: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر، إذن بثلاث مؤكدات.
﴿قَالَ﴾ يعني: لله. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿نَصِيبًا﴾ مفعول (أتخذ). المعنى: أتخذهم أولياء أتولاهم ويتولوني.
و(النصيب) الجزء من الشيء، فما هذا النصيب؟ هذا النصيب أكبر بكثير من النصيب السالف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجُ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ. وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
لكن يجب أن نعلم أن الشيطان لم يقل: لأتخذن من بني آدم، قال: ﴿مِنْ عِبَادِكَ﴾، وعبادك أيش؟ أعم وأشمل من بني آدم؛ ولهذا قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وهم الذين أغواهم من بني آدم، وهم بالنسبة لبني آدم أيش؟ أكثر بكثير.
فعليه نقول: هل المراد بالعباد هنا بنو آدم؟ نشوف، إن قيل: هم بنو آدم صار من باب العام الذي يراد به الخاص، وحينئذٍ يكون هذا النصيب المفروض أكثر بكثير من الذي سلم من إغوائه.
إذا قلنا: المراد بالعباد ما يشمل كل الخلق، الملائكة من عباد الله، كما قال الله تعالى عنهم: إنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُون﴾ [الأنبياء ٢٦]، كذلك أيضًا كل المخلوقات متذللة لله عز وجل تذللًا شرعيًّا أو تذللًا قدريًّا، وعلى هذا يكون النصيب المفروض بالنسبة للعباد على سبيل العموم قليلًا، يكون قليلًا، لكنه بالنسبة لبني آدم كثير؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعين كلهم في النار، وواحد من الألف في الجنة.
وقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الفرض بمعنى الحتم، يعني: مُحَتَّمًا مقدَّرًا، وقد أعطاه الله عز وجل ذلك، ومكنه من إضلال بني آدم لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، ولكنه توعد من تابعه فقال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص ٨٥].
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يتخذهم أولياء يتولاهم ويتولونه ويضلهم أيضًا، عن أيش؟ عن صراط الله عز وجل، سواء من هذه الأمة أو من غيرها، والجملة هنا مؤكدة بما أكدت به الجملة قبلها، أي: بثلاثة مؤكدات، ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الصراط المستقيم.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ يعني: أعدهم بالأماني، وفعلًا وقع هذا لآدم؛ حيث قال له الشيطان: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أيش؟ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه ١٢٠]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١]، فنسي آدم عليه الصلاة والسلام أن الله نهاه وقال: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف ١٩]، لكن وعدهم بالأماني وقال: ﴿أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ يعني: على الشجرة التي إذا أكلتها أيش؟ تخلد ويصير لك الملك الذي لا يبلي.
فالشيطان إذن يُمَنِّي بني آدم، يُمَنِّيه بعدة أماني؛ منها: أنه يسهل عليه أمر المعصية، يقول: هذه سهلة، هذه صغيرة، تقع مكفرة بالصلوات، تقع مكفرة بالعمرة، وهكذا، وما علم المسكين الذي أضله الشيطان أن الصلوات والعمرة إلى العمرة، وما أشبه من ذلك مما يكفر من الذنوب لا بد أن تكون كاملة، ومَن الذي يأتي بكمال الصلاة؟!
أكثر الناس الآن صلواتهم تصل إلى حد أيش؟ الإجزاء، وعسى أن تصل إلى حد الإجزاء.
كذلك أيضًا يقول: هذه سهلة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُمَنِّيه فيقول: أنت لو فُرِضَ أنك متَّ على الإصرار على المعصية فلك أولاد صالحون يدعون لك، و«إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، وهلم جرَّا، المهم أنه يوقع الأماني في نفوسهم بأشكال كثيرة.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ آمرنهم أمرًا صريحًا مواجهة، أو أمر وحي من داخل النفس؟ الثاني، وربما يتصور الشيطان بصورة إنسي فيأمره أمرًا صريحًا، لكن الأصل أنه أمر داخلي يأمره أن يفعل كذا وكذا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ الفاء هذه عطف، وهي معطوفة على (آمر)، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أنها تدل على تمام الانقياد من هؤلاء.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (يبتكن) أي: يقطعن، وإعراب (يبتكن)؟
* طالب: الفاء تفريعية.
* الشيخ: إعرابها.
* طالب: مفرعة عما قبلها.
* الشيخ: لا لا، ما هي مفرعة، عاطفة؛ لأن المفرِّع يكون واحدًا تفرع كلامه آخره على أوله، الفاء عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، اللام؟
* طالب: اللام لام ابتداء.
* الشيخ: هي دخلت على المبتدأ حتى تكون لام الابتداء؟! لام الابتداء هي التي تدخل على المبتدأ.
* طالب: (...).
* الشيخ: بعضهم: يقول: موطئة للقسم؛ يعني: تمهد للقسم؛ لأنه يقدر قبلها، كمل؟
* الطالب: (يُبَتِّكُنَّ) فعل مضارع.
* الشيخ: (يبتكن) كلها فعل مضارع؟!
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر.
* الشيخ: اعرب أولًا، كمل إعراب الفعل قبل.
* الطالب: (يبتك) فعل مضارع مرفوع، وعلامة الرفع النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون للتوكيد.
* الشيخ: لماذا لم يبن الفعل مع أنه نون التوكيد؟
* الطالب: لأنه غير مباشر.
* الشيخ: غير مباشر، إذن لا بد تقدر النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو؟
* الطالب: محذوفة لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين؟ وأيش؟ مفعول به؟!
* طالب: هي فاعل.
* الشيخ: فاعل، طيب، والنون؟
* طالب: النون محذوفة.
* الشيخ: لا، النون موجودة.
* طالب: النون نون التوكيد.
* الشيخ: أصل الكلمة هذه: فليبتكونن آذان الأنعام، حذفت النون الأولى كراهة توالي الأمثال، ولم تحذف نون التوكيد؛ لأنه أتي بها لعلامة، لو حذفت لفاتت هذه العلامة، ثم حذفت الواو، لما حذفت النون الأولى التقت النون الثانية وأولها ساكن بالواو الساكنة، فالتقى ساكنان، وابن مالك رحمه الله يقول:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ
وهنا الأول لين ولا غير لين؟ لين، يعني: أحد حروف العلة فيحذف.
المعنى ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ أي: فليقطعن آذان الأنعام، وليس مجرد التقطيع داخلًا في الآية، لكنهم يقطعون آذان الأنعام علامةً على أنها محرمة؛ لأنهم يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله، فعندهم قواعد وضوابط معروفة، قوانين وضعية ما هي شرعية.
إذا ولدت البعير كذا وكذا بطنًا، خلاص يجب أن تُطْلِقَها، العلامة؟ قطع الأذن، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] لكنها مفسَّرة، هذا التقطيع، وليسوا يقطعونها علامة ودليلًا على أنها ملك فلان، كما لو قطعوها على أنها وسم، لا، يقطعونها اعتقادًا باطلًا أنها أصبحت حرة، لا تُركب ولا يحمل عليها، ولا يستسقى من لبنها، ولا غير ذلك.
والأنعام جمع نَعَم، كأسباب جمع سَبب، والنَّعَم يطلق على ثلاثة أشياء: الإبل والبقر والغنم.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
* طالب: شيخ، قلت: إنه مؤكد بثلاث توكيدات، التوكيد مقدر ما هو موجود؟
* الشيخ: كيف؟ وأيش الكلمة التي تريدها؟
* طالب: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ﴾ المقدر -يا شيخ- أو المحذوف ما ينافي التوكيد، التوكيد يذكر؟
* الشيخ: لا لا، إذا دل دليل على المحذوف فكأنه موجود، وهنا فيه دليل، قال ابن مالك في الألفية قاعدة من القواعد أيش هي؟
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ... ∗∗∗ ......................
وهذا وإن كانت في المبتدأ والخبر لكن ينبغي أن تكون عامة.
* طالب: التسع مئة وتسعة وتسعون الذين في النار هل هذا قبل التأبيد فيشمل العصاة من المسلمين أو بعد التأبيد فيخص الكفار؟
* الشيخ: لا، هذا المراد بعد التأبيد، المراد بتسع مئة وتسعة وتسعين الذين يؤبدون في النار.
* طالب: ذكرتم أن قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ جملة خبرية. والبلاغيون يقولون: إن الجملة الخبرية هي ما يصدق عليها الكذب أو الصدق، تحتمل الصدق فهل هذا (...)؟
* الشيخ: لا، بذاته، بقطع النظر عن المخبر به؛ ولذلك قول مسيلمة: إنه رسول. هذا لا يحتمل الصدق.
وقول محمد: إنه رسول. لا يحتمل الكذب (...).
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هذا معطوف على ما سبق؛ على قوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾؛ يعني أن الشيطان يأمر عباد الله عز وجل أن يغيروا خلق الله، فما المراد بخلق الله؟ هل المراد به الفطرة التي فطر الناس عليها، فيكون المعنى: أنه يُغَيِّر فطرة الخلق من التوحيد إلى الشرك، ومن اليقين إلى الشك، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ﴾ أيش؟ ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠].
أو المراد بتغيير خلق الله الوَشْم والوَشْر والنَّمْص وما أشبه ذلك؟
قولان للعلماء، والصواب: أنه شامل، بناء على قاعدة التفسير المشهورة: أنه متى ذكر في الآية قولان لا تضادَّ بينهما والآية تحتملهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا؛ وعلى هذا فهو يأمرهم أن يغيروا خلق الله الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وخلق الله التغيير الحسي بالتفليج والوشم والوَشْرِ وغير ذلك؛ لأن هذا أعم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ صدق الله ﴿مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ﴾ أي: يجعله ﴿وَلِيًّا﴾ أي: متولَّى؛ أي: يتولى الشيطان ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.
وتولِّي الشيطان يكون بطاعته، فمن أطاع الشيطان وعصى الرحمن فقد خسر خسرانًا مبينًا، والخسران ضد الربح، بل إن الخاسر هو الذي لم يحصل ولا على رأس ماله، فهو لم يربح بل خسر.
وقوله: ﴿مُبِينًا﴾ مشتقة من (أبان)، فهي مشتقة من فعل رباعي، وأصلها (مُبْيِن)، لكن نقلت حركة الياء للساكن الصحيح قبلها، ونقل السكون اللي ما على قبلها إليها، فصارت (مبينًا).
قلت: إنها من (أبان)، و(أبان) يصلح أن يكون لازمًا وأن يكون متعديًّا؛ تقول: بان الفجر، وأبان الفجر. فإذا جعلناها من اللازم ﴿مُبِينًا﴾ صارت بمعنى: بَيِّن واضح، وإذا جعلناها من المتعدي (أبان الشيء يعني: أظهره) صار المعنى أنه خسارة تظهر ذلك في من خسر وتتضح.
قال الله تعالى: ﴿