×

النساء

الآية ١١٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَـٰثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًا مَّرِيدًا ﴿١١٧﴾

ثم قال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (إن) هنا بمعنى (ما)، وعلامة ذلك -أي: علامة كون (إن) بمعنى (ما)- أن تأتي بعدها (إلا)، هذه العلامة على أنها تكون بمعنى (ما)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] المعنى: ما هذا، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم﴾ [يوسف ٣١] المعنى: ما هذا إلا ملك كريم، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] أي: ما أنت إلا نذير، فـ (إن) تأتي بمعنى (ما)، وعلامتها أيش؟ أن يأتي بعدها (إلا). كما أن (إنْ) لها معاني متعددة، ولا مانع أن نسوقها الآن ليعرفها إخواننا الذين لم يسبق لهم فيها علم: تأتي نافية، وتأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة عكس النافية، تأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة؛ لأن المخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ إذ أنها هي (إنَّ) لكن خففت، فتكون أيش؟ للتوكيد، عكس (إنْ)؛ لأنها للنفي، قال الشاعر: ...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ يفتخر بقومه ويقول: ...................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ أي: وإنَّ مالكًا كانت كرام المعادن. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] (إن كانوا) بمعنى (إنَّ)، أين اسمها؟ اسمها يقولون: إنه ضمير الشأن محذوف، كلما جاءت، والتقدير: وإنه، أي: الشأن، أو: وإنهم، أي: القوم، يعني بعضهم يقول: لا نقدر ضمير الشأن، نقدر ضميرًا مناسبًا للسياق، فإذا كانوا جماعة قلنا: التقدير: إنهم ولا مانع. على كل حال، هذه (إنْ) مخففة من الثقيلة، وهي على العكس من (إنْ) النافية؛ لأنها للإثبات وتوكيد الإثبات بخلاف (إنْ) النافية. تأتي (إنْ) شرطية وهي كثير، مثل؟ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. تأتي زائدة، يعني وجودها كالعدم، كقول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌوَلَكِــــــــــــــــــــــــــــــــــــنْ أَنْتُمُالْخَزَفُ الشاعر يهجو هؤلاء القوم يقول: لا أنتم ذهب ولا فضة بل أنتم خزف، و«النَّاسُ مَعَادِنُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦ / ١٩٩) من حديث أبي هريرة. ]] كما قال النبي عليه الصلاة والسلام؛ معدن طيب ومعدن رديء، كم الأقسام؟ الأقسام أربعة. عدَّ الخمسة؟ * طالب: نافية. * الشيخ: نافية. * طالب: وزائدة. * الشيخ: وزائدة، عد؟ * طالب: مخففة من الثقيلة. * الشيخ: مخففة من الثقيلة. * طالب: نافية. * الشيخ: ونافية. * طالب: بمعنى (ما). * الشيخ: هي النافية، ما تأتي مخففة من الثقيلة. على كل حال هي في هذه الآية الكريمة ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، نقول: (إنْ) نافية، أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله -أي سوى الله- إلا إناثًا. ما معنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قيل: إن أسماء هذه الأصنام أسماء إناث: اللات، العزى، مناة، هذه كلها أسماء إناث. والمؤنث دون المذكر، لا في قوته، ولا في مرتبته، ولا في مقامه، ولا في كل شيء، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة ٢٢٨]. وقيل: المعنى ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ أي: إن يدعون إلا شيئًا مثل الإناث لا يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟ وعلى هذا القول: يدخل في ذلك الأصنام المذكرة مثل هُبل، هُبل مذكَّر ومع ذلك يعبد من دون الله، وعلى هذا يكون هذا القول أولى بالصواب؛ لأنه أعم، ولأنه يدل على حقيقة هذه الأصنام وأنها لا تدفع عن نفسها شيئًا، فكيف عن غيرها؟! ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: وما يدعون إلا شيطانًا مريدًا. والدعاء هنا بمعنى العبادة، يعني: وما يعبدون إلا الشيطان، والعبادة هنا بمعنى الطاعة، يطيعون الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]، فالشيطان يأمرهم بالشرك فيشركون، فيكون شركهم بالشيطان شرك أيش؟ * الطلبة: طاعة. * الشيخ: شرك طاعة، وشركهم في الأصنام شرك عبادة يعبدونها، وقوم هذه حالهم لا خير فيهم، لا يعبدون إلا ما لا ينفعهم، ولا يأتمرون إلا بأمر الشيطان. قال الله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ الضمير يعود على الشيطان. ﴿مَرِيدًا﴾ ﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (المريد) هو: البالغ في العدوان والعُتُوِّ غايتَه. والشياطين أقسام: منهم مَريد، ومنهم من ليس مَريدًا؛ ولهذا جاء في أحاديث تصفيد الشياطين في رمضان في بعض الألفاظ: «تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ»[[أخرجه النسائي (٢١٠٦)، وأحمد (٧٩١٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، أي: القوم العُتاة، الشياطين العتاة الأقوياء في عُتوهم. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، وهل هذا خبر أو دعاء؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، يتعين أن يكون خبرًا؛ لأنه ممن؟ من الله، والله تعالى يفعل ولا يدعو على أحد، فالله تعالى يخبر بأن الله لعنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾ [ص ٧٨]، والآية الثانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر ٣٥]، فلعنة الله ولعنة اللاعنين على إبليس إلى يوم الدين. قال تعالى: ﴿