تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ ﴿٧٣﴾
قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن المتقين يُساقون إلى الجنة كما يُساق أهل النار إلى النار، لكن تختلف الكيفية.
وما هو الدليل على اختلاف الكيفية؟
الدليل قوله تعالى في أهل النار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، وقوله في أهل الجنة هنا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣]، فهذا يدل على أنهم يساقون سَوْق إكرام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب لدخول الجنة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾. ووجه ذلك أن ترتيب الْحُكْم على الوصف يدل على عِلِّيَّته؛ يعني إذا رُتِّب الحكم على وصف دل ذلك على أن هذا الوصف هو عِلَّة الْحُكم، فالسياق إلى الجنة هنا سببه التقوى، إذن تفيد الآية أن التقوى سبب لدخول الجنة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران ١٣٣، ١٣٤] إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الجنة يدخلونها جماعات متفرقة؛ لقوله: ﴿زُمَرًا﴾. وهذه الجماعات يترتب تقديمها على حسب أعمالهم الصالحة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة إذا جاؤوها لا يجدونها مفتوحة الأبواب؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧٣] ولكن يجدونها مغلقة حتى يشفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فتح أبواب الجنة لداخليها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للجنة أبوابًا، وقد ثبت في الصحيح[[أخرجه البخاري (٣٢٥٧) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] «أن أبوابها ثمانية».
ويترتب على هذه الفائدة ما ثبت من أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وأن عطاءه أكبر وأعظم من منعه؛ لأن أبواب النار سبعة، وأبواب الجنة ثمانية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن للجنة خزنة؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.
* يتفرع على هذه الفائدة: كمال تقدير الله سبحانه وتعالى للأشياء، وأن كل الأشياء منظمة محفوظة مرتبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الملائكة ينطقون ويتكلمون؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.
* ومن فوائدها: أن الجنة دار السلام، السلام من كل آفة؛ لقول الخزنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الله جمع لهم -أي لأهل الجنة- بين السلامة من الآفات وطِيب الأحوال والأوقات؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر ٧٣] فجُمِعَ لهم بين نفي الآفات وطِيب الأحوال والأوقات.
* ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية الكريمة: الإذن لهم على وجْه الإكرام بدخول الجنة؛ لقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣].
* ومن فوائدها: الفرق التام والتباين العظيم بين ما يُقابَل به أهل الجنة وأهل النار، أهل النار يقابلون بالتوبيخ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٧١] إلى آخره، وأهل الجنة يُقابَلون بالتكريم والعِناية والبُشْرى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إزعاج النفوس وإغراؤها على العمل بعمل أهل الجنة؛ لأن الإنسان إذا تبين له الفرق العظيم والتباين الكبير بين أهل النار وأهل الجنة فلا بد أن يكون عنده ما يحثه بل يزعجه إزعاجًا إلى العمل بعمل أهل الجنة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خلود أهل الجنة فيها؛ لقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. والخلود هذا خلود أبدي سواء قلنا: إن الخلود هو المكث الدائم، أو إن الخلود هو المكث زمنًا طويلًا، وذلك لأنه قد تكرر ذِكْر التأبيد لأهل الجنة في عدة آيات.
﴿