تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴿٤١﴾
إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره [الزمر: ٤١].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن القرآن كلام الله؛ لأن الله أنزله، وهو كلام ليس ذاتًا معينة كالحديد الذي قال الله فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وكالمواشي: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] فالقرآن كلام، فإذا كان كلامًا فإنه لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، والمتكلم به وهو الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوّ الله، منين؟
* طالب: ﴿أَنْزَلْنَا﴾.
* الشيخ: والإنزال لا يكون؟
* الطالب: إلا من علو.
* الشيخ: إلا من علو، وهذا هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
علو الله عز وجل دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، الكتاب دلالته على علوّ الله متنوعة بأنواع كثيرة، والسنة كذلك اتفقت:
السنة: القولية والفعلية والإقرارية على أن الله سبحانه وتعالى عال فوق عرشه فوق خلقه.
والإجماع: أجمع السلف على ذلك، ما منهم من أحد قال بخلافه أبدًا، والقاعدة في هذا أنه إذا دل الكتاب والسنة على شيء، ولم يُعلم أن أحدًا من السلف الصحابة والتابعين قال بخلافه؛ فإنهم لا يقولون بسواه، وهذه فائدة مهمة، يعني قد يقول قائل: أين الدليل على أن الصحابة يرون أن الله استوى على العرش، أي: علا عليه؟ هل أحد فسره بذلك؟ فماذا نقول؟
نقول: ما دام القرآن قال به ولم يرد عنهم خلافه، فهم قد قالوا به؛ لأنهم هم يأخذون بدلالة القرآن التي أُمروا أن يأخذوا بها. إذن نأخذ من هذا إجماع الصحابة على علو الله، وكذلك التابعون لهم بإحسان والأئمة من بعدهم، لم يأت حرف واحد عن أحد منهم أنه قال بخلاف ذلك.
* من فوائد هذه الآية: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال أيش؟
الأدلة العقلية على علو الله عز وجل أن يقال: العلوّ إما صفة نقص أو كمال، ولا أحد يشك أنه صفة كمال، فوجب ثبوته لله عز وجل؛ لأن الرب قد وجبت له صفات الكمال عقلًا.
وأما الفطرة فإن الناس مفطورون على أنهم إذا سألوا الله شيئًا، إنما ترتفع قلوبهم نحو السماء، وهذا أمر لا ينكره أحد.
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان إنزال هذا القرآن العظيم عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].
* ومن فوائدها: أن القرآن نزل لمصلحة الخلق؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، فالقرآن لم ينزل ضد مصالح الخلق، بل نزل لمصالح الخلق، ولهذا قال: أنزلناه عليك للناس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: لقومك، مثلًا للناس عمومًا.
* ومن فوائدها: أن القرآن نزل بالحق على وجهي التفسير اللذين سبقَا، وهو أنه هو حق وآتٍ بالحقّ، حق فيما جاء به حيث كانت أحكامه عدلًا وأخباره صدقًا، وهو نفسه حق ليس بباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن حُجة؛ لقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر ٤١].
* ومن فوائدها: أن الناس ينقسمون نحو هذا القرآن إلى مهتدٍ وضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمله، ووجه ذلك أنه أضاف الاهتداء والضلال إلى العبد، فدل هذا على أنه فعله الذي اختاره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم المعاصي وأنها تكون على العبد لا له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بركة الاهتداء وأنه كسب للعبد؛ لقوله: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾.
* ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ضل من ضلَّ من الناس؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، فالله وحده هو الوكيل عليهم، أما أنت فأنت مبلِّغ، فإذا قمت بواجب البلاغ فالحساب على الله.
* ومن فوائدها: الرد على من تعلَّقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خوفًا ورجاءً ورغبة ورهبة، حتى صاروا يدعونه من دون الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن الداعي المبلغ لشريعة الله إذا بلغ على الوجه الذي أُمر به فقد برأت ذمته، ولا يلزمه شيء وراء ذلك، وجه الدلالة منها أنه إذا كان إمام الداعين المبلغين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس وكيلًا على الناس، ولا حفيظًا عليهم، فمن دونه من باب أولى.