×
الزمرالآية ٤٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴿٤٠﴾

مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾ [الزمر ٤٠] (ينزل عليه ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] دائم، وهو عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر). (مَن) موصولة مفعول لـ(علم)، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٤٠] إذا كانت (من) موصولة فجملة ﴿يَأْتِيهِ﴾ لا محل لها من الإعراب؛ صلة الموصول. ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ماذا قلنا بعذاب؟ عقوبة، وجملة ﴿يُخْزِيهِ﴾ صفة لعذاب، وليست جوابًا لـ(من)؛ لأن (من) اسم موصول، لا تحتاج إلى جواب. (﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾ ينزل ﴿عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر ٤٠] دائم، هو عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر)، يعني أن أكبر ذلّ حصل لقريش ما حصل في بدر؛ لأن الله سبحانه وتعالى جمع زعمائهم وكبراءهم وأشرافهم، جمعهم حتى خرجوا في ذلك اليوم، وقُتل هؤلاء الأشراف والكبراء، قتلوا وسحبوا وألقوا في قَليب من قُلب بدر، قليب خبيثة منتنة، فكان جزاؤهم والعياذ بالله هذا الجزاء، وهذا من أعظم الخزي، حتى «وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم يوبخهم ويندّمهم يقول: «يَا فُلانَ بْنَ فُلَانٍ» بأسمائهم وأسماء آبائهم «يَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، فقالوا: يا رسولَ الله، ما تكلم من أُناس جَيَّفوا -كيف تكلم جِيَفًا؟- قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة،.]]، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هم يسمعون كلام الرسول ولا يزيدهم هذا الكلام إلا حسرة وندامةً. ولهذا «قال أحدهم لعبد الله بن مسعود، وهو أبو جهل، حينما جاء إليه وفيه رَمَق من حياة، قال له: من أنت؟ قال: ابن مسعود. قال: لقدِ ارتقيتَ مُرْتَقى صعبًا يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ. كيف تطأ على رأس شريف من أشراف قريش. ثم قال: لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله »[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٠٢٠) من حديث ابن عباس.]]. المهم أن الرسول وبخهم على هذا الذي حصل. ثم قال: (﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٤١] متعلِّق بأنزل)، لماذا لم يقل: بأنزلنا؟ لأن العامل هو الفعل، و(نا) اسم بتقدير الانفصال عن الفعل، وهذا تعليم من المؤلف لكم إذا أردتم أن تقولوا: هذا متعلق فلا تذكروا إلا العامل فقط، لا تذكروا الفاعل معه، ولا المفعول إن كان المفعول متصلًا به، فهذا متعلق بـ(أنزل). ونحن في الحقيقة في إعرابنا في القرآن نتجاوز، نقول في مثل هذا: متعلق بـ(أنزلنا) وهذا غير محرر، الصواب أن تقول: متعلق بـ(أنزل)، الذي هو العامل فقط، دون ما اتصل به من فاعل أو مفعول. (﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِه﴾ [الزمر ٤١] اهتداؤه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر ٤١] فتجبرهم على الهدى)، وهذا كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق ٤٥]، فالرسول عليه الصلاة والسلام ليس بجابر لهم على الاهتداء، وليس بموكل بهم يحافظهم ويحافظ عليهم. نرجع للفوائد الآن: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ إلى آخره [الزمر: ٣٩]. * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن معه الحق أن يكون قويًّا متحديًا لخصمه، فلا يقف موقف الضعف، من أين يؤخذ؟ ﴿اعْمَلُوا﴾ ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الزمر ٣٩] يعني ولا تهمونني. * ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الله أمره بذلك تبشيرًا له وتسلية بأنه ستكون العاقبة له. * ومن فوائدها: أنه لا بأس بإقرار الكفار على كفرهم تهديدًا، وهذا أسلوبٌ متبع حتى في تأديب الوالد ابنه، ماذا يقول له إذا خالف؟ يقول: استمر على معصيتي، استمر في اللعب، لا تحضر للضيوف مثلًا، ماذا يقصد؟ يقصد التهديد. وأظننا لا يمكن أن نأتي بها جميعا، ونجعلها غدًا إن شاء الله. (...) * * * * طالب: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر ٤٢ - ٤٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٣٥] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يريد من نبيه أن يكون عاليًا على قومه، يتكلم عليهم أو يتكلم معهم من علو، وذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾، وهذا يشبه التحدي، التحدي لهم أني لا يهمني أن تعملوا ما علمتم؛ فإني سوف أعمل ما يضاد ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أظننا ذكرنا هذه الفائدة أنه ينبغي لصاحب الحق أن يكون قويًّا على خصمه متعليًا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد أولئك المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم سوف يعلمون من هو أحق بالعذاب ومن يأتيه العذاب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الكفر عذاب مخز عارٌ في الآخرة وذلٌّ في الدنيا، بل ذل في الدنيا والآخرة والعياذ بالله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [الزمر ٤٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب أهل النار مقيم لا ينفك عنهم، ويتفرع على هذه الآية الكريمة ما دلَّ عليه القرآن والسنة؛ من أن أهل النار مخلدون فيها أبدًا وأنها لا تفنى، وأن القول بفنائها قول ضعيف، بل باطل، لمخالفته للكتاب والسنة. ثم قال: ﴿