تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٤﴾
لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أراد إرادة كونية، فتكون بمعنى المشيئة، يعني: لو شاء الله أن يتخذ ولدًا، يعني أن يجعل لنفسه ولدًا كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى﴾ (اصطفى) من الصفوة، وهو خيار الشيء، فيكون معنى (اصطفى) اختار، ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي من الذي يخلق ﴿مَا يَشَاءُ﴾، و(ما) هنا مفعول (اصطفى)، أي: لاصطفى ما يشاء مما يخلقه، وقوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ هذه اسم موصول أعني (ما)، والعائد؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: محذوف، والتقدير: مما يخلقه، وعبر بـ(ما) دون (من) مع أنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وعزير ابن الله، المسيح ابن الله، فعبر بـ(ما) لأنها أعم من (من)، هذا من وجه، من وجه آخر: أنه إذا أريد ملاحظة الصفة فإنه يعبر بـ(ما) عن (من)، وهنا يراد ملاحظة الصفة وهي العبادة، وانظروا إلى مثال يتضح به ما قلنا: قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: (من)؛ لأنه ليس المقصود عين المرأة إنما المقصود الوصف، فلهذا عبر بـ(ما) عن (من).
﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي: من مخلوقاته ذات الإرادة والشعور؛ كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالجمادات من الأصنام المنحوتة وغيرها، (﴿مَا يَشَاءُ﴾ واتخذه ولدًا)، قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ نقول في ﴿مَا يَشَاءُ﴾ كما قلنا في ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾.
(واتخذه ولدا غير من قالوا من الملائكة بنات الله). (إن) ولَّا (من)؟ (غير من قالوا)؟ كلكم عندكم (إن)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (غير من قالوا من الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله) نعم، يعني أنه عز وجل لو أراد الله أن يتخذ ولدًا ما منعه أحد، لاصطفى مما يخلق ما يشاء مما قالوه أو غيره، فهو عز وجل له الملك الكامل ولكنه لا يتخذ ولدًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني: مستحيل غاية الاستحالة أن يتخذ ولدًا، ولهذا قال هنا: (﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له عن اتخاذ الولد ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ لخلقه).
﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيها له، و(سبحان) هذه اسم مصدر من (سبَّح)، والمصدر تسبيح. واعلم أن (سبحان) ملازمة للإضافة دائمًا، ولكن ربما تأتي نادرًا أو شذوذًا بغير إضافة، وربما تقترن بـ(أل) فيقال: ذا السبحان، ولكن الأصل أنها ملازمة للإضافة وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة، وعاملها يكون محذوفًا دائمًا، والمراد: تنزيهًا له.
وقول المؤلف: (عن اتخاذ الولد) إنما خصه باتخاذ الولد لأن السياق في ذلك، وإلا فإنه منزه عن اتخاذ الولد وعن كل عيب ونقص.
فإذا قال قائل: هل في اتخاذ الولد من عيب؟
فالجواب: نعم، فيه عيب؛ لأنه يدل على احتياج الوالد للولد، ولهذا تجد الإنسان إذا لم يأته الولد يرى أنه ناقص، ويتمنى كل الأمنية أن يأتيه ولد يساعده على شئون الحياة، ويبقي ذكره بعد موته، فاتخاذ الولد نقص ولهذا نزه الله نفسه عنه.
ثانيًا: الولد إنما يأتي من أجل بقاء النوع الذي تولد منه، والله سبحانه وتعالى غير محتاج لذلك؛ لأنه هو الواحد الباقي عز وجل.
ثالثًا: أن الولد يكون مماثلًا لأبيه، ولا نسمع وما سمعنا أن بشرًا جاءه تيس. أليس كذلك؟
وإنما يأتيه ولد مثله، فلو فرض أن الله اتخذ ولدًا لكان الولد مثل الله عز وجل، والله تعالى منزه عن أن يماثله أحد.
إذن ففي هذه الوجوه الثلاثة يتبين أن الولد ممتنع عن الله غاية الامتناع. ثم إن الله أيضًا ذكر مانعًا رابعًا، وهو أنه ليس له زوجة، فقال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، فبين أنه ليس له زوجة، كيف يأتي الولد؟ وإنما جاء الولد من آدم مثلًا؛ لأنه آية معجزة.
ثم ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ هو الله، ولو كان له ولد لشاركه في الألوهية، والألوهية ليست إلا له، ﴿الْوَاحِدُ﴾ ولو كان له ولد لكان اثنين؛ لأنه لا بد أن يكون الولد مماثلًا لوالده، والله واحد لا ثاني له عز وجل، ﴿الْقَهَّارُ﴾ صيغة مبالغة وصيغة نسبة، أي أنه ذو القهر الدائم المتكرر، فكم من ذي جبروت قهره الله عز وجل، ما أكثر الرجال والأمم ذوات الجبروت التي قهرها الله عز وجل.
* من فوائد هذه الآية: أن من كان كاذبًا كفارًا فإن الله لا يوفقه؛ لقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣].
* ومِن فوائدها: التحذير من الكذب وخصال الكفر، وأن الكذب سبب لمنع الهداية؛ وذلك لأن الحكم إذا عُلق بوصف -هذه القاعدة التي يمكن أن نطبق عليها هذه الفائدة- أن الحكم إذا علق بوصف وجد بوجوده وانتفى بانتفائه، ويدل لهذا أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/ ١٠٥) من حديث ابن مسعود.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصدق سبب للهداية، وجهه: أنه إذا كان الكذب سببًا للغواية فضده سبب لضده يكون الصدق سببًا للهداية.
ويتفرع على هذه الفائدة: الترغيب في الصدق، ولكن الصدق مع من؟ الصدق مع الله ومع رسول الله ومع عباد الله، الصدق مع الله بالإخلاص له، ومع الرسول باتباعه، ومع عباد الله بحسن المعاملة، فعليك بالصدق «فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧/١٠٣) من حديث ابن مسعود. ]] جعلنا الله وإياكم منهم.
يقول بعض السفهاء: الكذب منجاة، ويقول بعض الباعة: الكذب مسامير السلع، نعم، صح هذا؟ ماذا نقول؟ نقول: الكذب مهلكة، والصدق منجاة، وبالنسبة للسلع الذي يبيعون ويشرون يقول: اكذب لأجل تحكم السلع، مثل المسامير للأبواب، ماذا نقول له؟ نقول: بل اصدق؛ فإن هذا هو المسامير حقيقة، هو الذي يثبت البركة، لكن الكذب منفقة للسلعة ممحقة للكسب.
* من فوائد هذه الآية أيضًا: أن الكفر سبب للغواية؛ لقوله: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣]، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
* ومن فوائدها: التحذير من خصال الكفر؛ لأن الحكم إذا عُلق بوصف ثبت بوجوده وانتفى بانتفائه، خصال الكفر التي لا تؤدي إلى الكفر المطلق، قد تكون سببًا -والعياذ بالله- للغواية، مثل الطعن في النسب، النياحة على الميت، قتل المعصوم المسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤/١١٦) من حديث ابن مسعود. ]].
* طالب: (...).
* الشيخ: ما غيرناها، سبحان الله، عندي واحد وأربعون (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر٥، ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى -في المناقشة-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] ما المراد بالهداية المنفية هنا؟
* طالب: هداية التوفيق.
* الشيخ: هداية التوفيق، ما هو الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: هداية الدلالة ثابتة لهم (...) هداية التوفيق.
* الشيخ: إي نعم، المنفي هنا هداية التوفيق، لماذا لا نجعلها هداية التوفيق والدلالة؟
* الطالب: (...) الرسول ﷺ (...).
* الشيخ: (...) هل عندك دليل، هذا تعليل؟
* الطالب: ﴿إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل ١٢]، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥] عموم.
طيب، قوله: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في أي شيء؟ في أي نسبة الكذب هنا؟
* الطالب: نسبة الولد إلى الله عز وجل.
* الشيخ: لماذا خصصتها؟
* الطالب: نظرًا للآية بعدها.
* الشيخ: يعني بقرينة السياق، طيب قوله: ﴿كَفَّارٌ﴾ معناها؟
* الطالب: الكافر.
* الشيخ: الكافر، لكن لماذا جاءت على صيغة فعَّال؟
* الطالب: للمبالغة.
* الشيخ: مبالغة في الكفر أو نسبة، من باب النسبة، نسبة الكفر إليهم، طيب أظن اللي بعدها أخذناها؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر ٤] إلى آخره (لو) هنا؟
* الطالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية، أين فعل الشرط وجوابه؟
* الطالب: فعل الشرط ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ وجوابه ﴿لَاصْطَفَى﴾.
* الشيخ: ﴿لَاصْطَفَى﴾ هل اللام واجبة في جواب (لو)؟
* الطالب: (...) في قوله تعالى (...).
* الشيخ: لا، ما هي هكذا الآية، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠] طيب أحسنت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا كان منفيًّا لا يأتي إلا مقترنًا باللام؟
* الطالب: لا يأتي مقترنًا باللام.
* الشيخ: إلا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل هناك شاهد لاقترانه منفيًّا باللام؟
* الطالب: (لو نُعطَى الخيارَ لما افْتَرَقْنا).
* الشيخ: ولكن لا خيار مع الليالي، طيب نأخذ الفوائد أو أخذناها قبل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من قوله؟
* الطالب: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾، أخذنا اللي قبلها؟
قال الله عز وجل: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤]:
* في هذه الآية الكريمة: بيان كمال سلطان الله سبحانه وتعالى، وأنه لو أراد شيئًا لم يمتنع عليه؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، ومن وجه آخر أن فيه ردًّا لاقتراحهم أو دعواهم بأن الملائكة بنات الله، أو المسيح أو العزير، فيقول: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى ما يشاء دون أن يتخذ ما ادعوه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات إرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ وإرادة الله تعالى في فعله متفق عليها، لا نظن أن أحدًا يخالف في أن الله تعالى يريد فعله، ولكن هل تتعدى إلى فعل المخلوق أو لا؟
في هذا خلاف بين أهل السنة وأهل البدعة؛ فمنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق وغلا في ذلك، وقال: إن المخلوق ليس له إرادة، وهذا قول الجهمية الجبرية.
ومنهم من قال: إنها تتعدى إلى فعل المخلوق لكن لا على سبيل الجبر، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. ومنهم من قال: إنها لا تتعدى إلى فعل المخلوق، وأن المخلوق مستقل بفعله، ولا إرادة لله تعالى فيه، وهذا مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، نعم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والأفعال الاختيارية لله ثابتة بالسمع والعقل؛ أما السمع فما أكثر الأفعال التي يضيفها الله إلى نفسه، وأما العقل فلأن الفاعل بالاختيار أكمل ممن لا يفعل، وذهبت الأشاعرة وغيرهم من المعطلة إلى أن الأفعال الاختيارية لا تقوم بالله عز وجل، بحجة أن الفعل الحادث يستلزم حدوث الفاعل، ولا شك أن هذا قول باطل يستلزم لوازم باطلة، منها أن الله سبحانه وتعالى غير قادر على الفعل، وهذا تنقص لله عز وجل وتكذيب لأخباره الكثيرة التي لا تحصر في إثبات الفعل له.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والمشيئة نقول فيها كما قلنا في الإرادة من حيث تعلقها، هي تتعلق بأفعال الله، وهل تتعلق بأفعال المخلوق؟
على الخلاف السابق الذي شرحناه في الإرادة، لكن هنا أمر يجب التنبه له، وهي أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة كونية، أما المشيئة فهي قسم واحد فقط، الإرادة الكونية ترادف المشيئة فهي بمعناها، فإذا قلت: ما أراد الله كان، فهو بمعنى: ما شاء الله كان.
أما الإرادة الشرعية فإنها ترادف المحبة، أي أنها تتعلق بما يحبه الله عز وجل، فتقول: إن الله يريد منا أن نشكره، هذه الإرادة شرعية، طيب والفرق بين الإرادة الشرعية والكونية من وجهين:
الوجه الأول: أن الإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه، الإرادة الكونية، فهو يريد الإيمان ويريد الكفر ويريد الطاعة ويريد الفسق بالإرادة الكونية.
أما الشرعية فإنها لا تتعلق إلا فيما يحبه فقط، فلا يمكن أن تقول: إن الله يريد الفسق، أي: يحبه، هذا مستحيل.
وثانيًا -الفرق الثاني- الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، يعني إذا أراد شيئًا كونًا لا بد أن يقع، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، يريد منا سبحانه وتعالى الإيمان والطاعة قد توجد وقد لا توجد، هذا هو الفرق بينهما.
وبهذا تنحل إشكالات أوردها القدرية على أهل السنة فقالوا لهم: إذا أثبتم تعلق إرادة الله بكل شيء حتى في المعاصي لزمكم أن الله يريد الشر، فيكون الله -على تقدير قولهم- شريرًا، نسأل الله العافية، ماذا نقول؟ نقول: أما الإرادة الشرعية فإن الله لا يمكن أن يريد الشر أبدًا، وأما الإرادة الكونية فإنه يريد ما شاء، لكن إرادته كونًا للشر له حكمة بالغة كثيرة معروفة.
يقول: * مِن فوائد هذه الآية: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
* ومِن فوائدها: إثبات اسم الله: الله والواحد والقهار، ثلاثة أسماء، وكل اسم يثبته الله لنفسه فإنه يتضمن الصفة التي اشتق منها، فـ(الله) مشتق من الألوهية، ففيه إثبات الألوهية صفة من صفاته، الواحد: الوحدانية، ففيه إثبات الوحدانية لله عز وجل، القهار: القهر، ففيه إثبات القهر لله عز وجل، وأنه القهار الغلاب الغالب لكل شيء.