تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَفَّارٌ ﴿٣﴾
أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٣ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ما معنى هذه الجملة من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ليس كذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: معنى الآية، ما نريد التفصيل.
* الطالب: تنبيه على أن دين الله تبارك تعالى دينٌ نقيٌّ..
* الشيخ: نقي من الشرك، وأنَّ كلَّ دين صار فيه شرك فإنَّ الله لا يقبله، نعم طيب.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ كيف نُعرِب هذه الجملة؟
* طالب: الواو حرف استئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: نعم، أين خبره؟
* الطالب: خبرُه مقول قول ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، التقدير: يقولون (...).
* الشيخ: تقول: الخبر مقول القول، وأنت تقول: محذوف تقديره يقولون، أيش (...)؟
* الطالب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ مقول.
* الشيخ: أين خبر (الذين)؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: يقولون.
* الشيخ: يقولون، نعم طيب، إذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ فهنا جعَلُوا الوسيلة؟
* الطالب: هي عبادة الأصنام، جعلوا الوسيلة..
* الشيخ: إي نعم، لكن هنا جعلوا الوسيلة غاية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) هم يقولون: نحن ما نجعلها (...) بل نجعلها وسيلة.
* الشيخ: يا أخي قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا﴾ فهم عبدوها ليكون ذلك وسيلة ليقربهم إلى الله، فجعلوا الوسيلة جعلوها غاية؛ لأن الغاية من التقرب إلى الله هو عبادته، فهنا قلبوا الواقع فجعلوا الوسيلة غاية.
طيب هل حال بعض الناس عند القبور كحال هؤلاء؟ نعم، فيه ناسٌ يطوفون بالقبور ينذرون لها، يسجدون لها، يقولون: هؤلاء أولياء يقربوننا إلى الله كحال هؤلاء. وهل لهؤلاء القبوريين وجود؟
* طالب: الآن، إي نعم.
* الشيخ: الآن موجود.
* الطالب: الذين يعبدون (...).
* الشيخ: أنا وصفت لك حال الذين يطوفون بالقبور ويعبدونهم، فقلت: هل يشبهون حال المشركين؟ فقلت لي: نعم، فأقول لك الآن: هل لهؤلاء الآن وجود في العالم الإسلامي أو لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: لهم وجود.
طيب قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴾ وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ المؤلف يقول: (وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟
* الطالب: ليس بصحيح.
* الشيخ: ليس بصحيح، ما هو الصحيح؟
* الطالب: الصحيح أنه (...).
* الشيخ: أحسنت، يعني بين الكفار أنفسهم.
طيب هل لك أن تُبَيِّن لي صورة من اختلاف الكفار؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مثل آية تشهد على أنه يكون بينهم اختلاف.
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾ [آل عمران ١٩].
* الشيخ: لا، هذا يوم القيامة، اختلافهم يوم القيامة؛ لأن الله يحكم بينهم يوم القيامة.
* الطالب: مثل قوله تعالى (...): ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف ٣٨].
* الشيخ: أحسنت، مثلما قال: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، والآيات في هذا متعددة.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن إنزال القرآن حُجَّةٌ على الناس يُلْزِمُهم بعبادة الله؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ﴾، والفاء هذه للتفريع؛ أي: فلأجل إنزال الكتاب إليك اعبُدِ الله.
* ومن فوائدها: أن من لم يبلُغْه الكتاب لم تلزمْه العبادة، ويدل لهذا آياتٌ أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ومثل قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩].
ومثل قول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي»، والنصوص في هذا المعنى كثيرة أن من لم تبلغه دعوةُ الرسل لا تلزمُه العبادة.
والدليل التطبيقي لهذه المسألة عدة شواهد؛ منها: حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه «بعثَه النبي ﷺ في سرية، فأجْنَب فلم يجِدِ الماء، فتمَرَّغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة ظنًّا منه أن هذا لازِمٌ له وصلَّى، وأخبر النبيَّ ﷺ بهذا، فبيَّن له النبي ﷺ أنه يكفِيه عن الغُسْل أن يضْرِبَ الأرض بيديه ثم يمسَح وجهَه وكفَّيه، ولم يأمُرْه بإعادة الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار.]].
وكذلك «الرجل الذي جاء فصلى ولا يطمَئِنُّ في صلاته فقال له النبي ﷺ: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فقال له: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]. فعلَّمَه النبي ﷺ ولم يأمره بإعادة ما مضى من صلاته مع أنه كان لا يصَلِّي صلاة لا تجْزِئُه.
وكذلك المرأة التي كانت تُسْتَحَاض فتَظُنُّ أن هذا حيضٌ فلا تصلي فلم يأمُرْها النبي ﷺ بالإعادة[[أخرجه أحمد (٢٧٦٣١) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش.]]. وأمثال هذا كثير.
وعليه فلو أن رجلًا أسلم في بلاد الكفر أو في بلاد نائية لا يصِلُها أحكام الشرع وترَك الصلاة مدة ثم علِم بعد ذلك بوجوب الصلاة فإننا لا نأمُرُه بإعادة ما ترك وإنما نأمره بصلاة ما حضَر وقتُه فقط.
وكذلك لو كانت امرأة في محلٍّ ناءٍ بلغَتْ بالحيض وهي صغيرة ولم تصُمْ رمضان ولكنَّها في محلٍّ ليس حولَها علماء تسألهم قد غلب عليها الجهل كالبادية -مثلًا- فإننا لا نأمُرُها بقضاء ما تركَتْ من الصوم؛ للجهل، وهذا هو اللائق بالشريعة الإسلامية المبنِيَّة على اليسر والسهولة، وعلى أن الله تعالى لا يكلِّفُ نفسًا إلا وسْعَها، ولا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، وهنا الآية التي معنا يمكن أن يكون فيها إشارة لِمَا ذكر، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿فَاعْبُدِ﴾ بعد الإنزال أُمِر بالعبادة.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص تنقية الشيء مما يشوبه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، فلو تصدَّق الإنسان بمال لكنه مُرَاءٍ بذلك من أجل أن يُمدَح فإنه لم يعبُدِ الله، وهو آثم وليس بمأجُور، ولو صلَّى لِيُمْدَح فإنه لم يعبد الله وهو آثم وليس بمأجور؛ لأن الله أمر بعبادة خاصة وهي الإخلاص، ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبادة دِينٌ يَدِينُ به الإنسان، ومعنى كونِه دينًا أنه يعمل لِيُثَاب.
* ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّه ينبغي للإنسان حين العبادة أن يُلَاحِظ هذا المعنى وهو أنه يعمَل لِيُثَاب؛ لأنه إذا شعر بهذا الشعور فسوف يتقِن العمل؛ إذْ إن العقلَ يهدي الإنسان إلى أن الثواب على قدْر العمل؛ إن أحسنْتَ العمل حسُنَ الثواب، وإن قصَّرْت فالثواب ينقُص، وهذه المسألة -أعني شعور كون الإنسان يعمل من أجل الثواب- أعتقد أنها تفوت كثيرًا من الناس لا ينتبِهُون لها.
* ومِن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى نية المعمول له حينما تعمل تريد التقرُّب إلى الله عز وجل بامتثال أمره، فمثلًا عندما تريد تتوضأ تنوي بأنك تتوضأ امتثالًا لأَمْر الله حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]؛ من أجل أن تشعُر بالعبادة ولَذَّة العبادة، لا لأجل أن تبرِئَ ذمَّتَك بفعل ما هو فرْضٌ عليك من الطهارة للصلاة، هذا لا شكَّ أنه نية طيبة، لكن أطيب منها أن تستشعر بأنك تمتثل أمر الله لتشعر بلَذَّةِ العبادة وأنَّك حقيقةً عبدٌ لربك عز وجل، هذه مسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها في عبادته، ولهذا قال: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
* من فوائد هذه الجملة: أن الله لا يقبل إلا دينًا خالصًا ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، أما ما سواه فليس لله حتى وإن أشرَكْت به مع الله -حطوا بالكم يا جماعة- لأنَّ الدين لله ما هو؟ الخالص النقي من شوائب الشرك.
فإن قال قائل: إذا كان العمل خالصًا في أولِه مُشْرَكًا فيه في آخره فهل يبطل العمل كله، أو يبطل ما فيه الشرك، أم ماذا؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إذا كانت العبادة التي وقع الشرك في أثنائها ينبني بعضُها على بعض فإنها تبطل، مثل الصلاة: رجل أحرم بالصلاة مخلِصًا لله، وفي أثنائها سمع حوله أحد فراءَى في ذلك في صلاته في أثناء العبادة، ماذا نقول؟ نقول: الصلاة تبطل، تبطُل كلها؛ لأن أولها وآخرها مبْنِيٌّ بعضُه على بعض.
أما إذا كانت لا ينبني بعضُها على بعض فإن ما كان خالصًا يصِح، وما كان مشوبًا لا يصح؛ مثل رجل كان يتصدَّق عنده ألف رِيال، كلما جاء فقير أعطاه منها، أنفق خمس مئة رِيال خالصة لله، وفي أثناء الإنفاق حضر أناسٌ فراءاهم، فهل تبطل الصدقة الأولى التي بها الإخلاص؟ لا. لماذا؟ لأن بعضها لا ينبني على بعض؛ كل درهم منفصل أو كل رِيال منفصل عن الذي قبله، هذه مسألة مهمة.
المسألة الثانية: أحيانًا يهاجِم الرياءُ القلبَ ويدافعه الإنسان يدافع، فهل يؤثر هذا على إخلاصِه؟
الجواب: لا يؤَثر ما دام يدافعه ويعرض عنه؛ لأنه الآن في جهاد لعدوه، والشيطان دائمًا يأتي الإنسان من كل وجه، قال الله تعالى عنه في سورة الأعراف: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]؛ يعني: في كل مكان، يأتي الإنسان يثَبِّطُه عن العبادة، يثَبِّطُه عن طلب العلم، يثَبِّطُه عن صلة الرحم عن برِّ الوالدين، وما أشبه ذلك مما أوجب الله عليك، فإذا رأى منه تصميمًا على القيام بالعبادة أتاه من جهة أخرى وهو الغلو في العبادة والزيادة فيها والتنَطُّع والتكلف، فإذا عجز عنه من هذه الناحية أتاه من جهة النية أنك مراءٍ، ولكن الإنسان يجب عليه أن يدافع الشيطان بقدر ما يستطيع مستعينًا بالله عز وجل.
* من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ غِنَى الله عز وجل، غِنى الله الغِنَى التام.
ووجه ذلك أنه إذا كان الله لا يقبَلُ إلا ما كان خالصًا دلَّ على غِناه عن عملِ العباد؛ لأنه -وحاشاه من ذلك- لو كان فقيرًا محتاجًا لذلك لاكتفى بما يأتيه منهم ولو على سبيل المشاركة، كالإنسان المحتاج يقبَل منك ما كان خاصًّا له وما كان مشترَكًا، فلما كان الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا عُلِمَ بهذا غناه عن العباد، وإلى هذا يشير قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن عابدي الأصنام قد توَلَّوا الأصنام واتخَذُوها أولياء.
* ومن فوائدها أنهم -أي عباد الأصنام- يمَوِّهُون على الناس، يقولون: نحن ما نعبدُهم إلا لِغَاية وهي أن يقرِّبُونا إلى الله زلفى.
* ومن فوائدها: أنه يمكن أن نعَدِّيَ هذا الحكم إلى جمِيع أهل الباطل؛ يدَّعون أنهم يحسِنُون صنعًا وهم كذَبَة.
ولنضرب لهذا مثلًا بأهل التعطيل: أهل التعطيل يدَّعون أنهم بتعطيلهم هذا منَزِّهُون لله وأنَّ قصدَهم تنزيهُ الله عز وجل عن النقص وعن مشابهة المخلوقين، وهم كاذبون في هذا؛ لأنهم إذا عطَّلُوه عن كمال صفاته فهو ضد التنزيه، هؤلاء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والحقيقة أن هذه العبادة تبعدهم من الله مسافات كثيرة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار المشركين بأنهم يعبدون أصنامهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، فهم يصرحون بأنهم يعبدونهم لكن لا يقولون: نعبدهم لنتقرب إليهم بل ليقربونا.
* ومن فوائدها: أن المشركين في عهد الرسول ﷺ يُقِرُّون بوجود الله، وأنه أعظَم من كل عظيم؛ لقولهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، فهم معترِفُون بالله عز وجل وأنه أعظم من أصنامهم، ولهذا جعلوها وسيلة له أو للتقرب إليه.
* ومن فوائدها: أنه سيكون بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم سيكون نزاع وخصومة يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٣].
* ومن فوائدها: أن الحكم لله عز وجل وحده في ذلك اليوم -أعني يوم القيامة- وأنَّ المرجع إليه.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] هذه الجملة مؤَكَّدة، كما تشاهدون مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾. وقوله: ﴿لَا يَهْدِي﴾ المراد بذلك هداية التوفيق، وأما هداية الدَّلالة فإنها حجة الله على خلقه لا بد أن تنال كل أحد، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، هديناهم هداية؟
* طالب: دلالة.
* الشيخ: دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ هداية توفيق لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي: الذي هو كاذب.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسَبُوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة؛ أما اليهود فقالت: عزيرٌ ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيحُ ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصَّصَها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾، وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾..
هداية دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ [الزمر ٣] هداية توفيق، لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، نعم ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي الذي هو كاذبٌ.
قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسبوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة، أما اليهود فقالت: عزير ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصصها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ واضح؟
وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾ لكانت مطلقة لم تقيد بنسبة الولد إلى الله عز وجل، لكن المؤلف قيدها باعتبار أو بقرينة السياق.
﴿كَفَّارٌ﴾ كفار هذه يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فإن كانت النسبة صارت صفة لازمة، كما نقول: نجار وحداد وخشاب وبنَّاء، وما أشبه ذلك، وإن كانت صيغة مبالغة لم تكن صفة لازمة، لكنها تدل على الكثرة، وعلى كل حال فسواء للمبالغة أو للنسبة فالمراد بها الكفور بالله عز وجل.
وقال المؤلف: (بعبادته غير الله) ولا شك أن هذا كفر: عبادة غير الله. وتخصيص الكفر هنا بعبادة غير الله يؤيده السياق، وهو قوله فيما سبق: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ٣].
قال الله تعالى: (﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ) ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، الشرط الذي فيها ﴿أَرَادَ﴾ وجوابه: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، واعلم أن ﴿لَوْ﴾ الشرطية إذا كان جواب الشرط فيها مثبَتًا فالأكثر اقترانه باللام: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَاصْطَفَى. وقد يأتي غير مقترن باللام؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، أما إذا كان منفيًّا فإنه لا يقترن باللام، نعم وهو كثير الأمثلة في هذا، لكن قد يقترن باللام؛ كقول الشاعر:
وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي
﴿