تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ما معنى ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾؟
* طالب: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ.
* الشيخ: نعم، طيب وما معنى ﴿اجْتَنَبُوا﴾؟
* الطالب: ابتعَدوا.
* الشيخ: ابتعَدوا عنها.
ما موقع ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ من الإعراب؟ ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.
* طالب: بدل اشتمال.
* الشيخ: بدل اشتمال. كم أنواع البدل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: اشتمال، بعض، بيان.
* الشيخ: لا.
* طالب: بدل الغلط، وبدل الاشتمال، وبدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل.
* الشيخ: كم هذه؟
* الطالب: أربعة.
* الشيخ: خمسة؛ قال ابن مالك:
مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍبِـ(بَلْ)
أربعة، فيه بدل كُلٍّ من بعض؟
* طالب: على قول.
* الشيخ: على قول.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
......................... ∗∗∗ بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ
* * *
قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر ١٧].يقول: (﴿أَنَابُوا﴾ أقبلوا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ )، والإنابة تكون بمعنى الإقبال كما قال المؤلف، وتكون بمعنى الرجوع؛ رجعوا إلى الله، والرجوع إلى الله يستلزم الإقبالَ عليه؛ لأن الإنسان يفِرُّ بالمعصية بعيدًا عن الله، فإذا تابَ وأنابَ ورجعَ إلى الله فهو مُقبل.
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] الجملة هذه خبريَّة، قُدِّم فيها الخبر ﴿لَهُمُ﴾ لإفادة الحصر؛ لأنَّ ما كان حقُّه التأخير إذا قُدِّم أفادَ الحصر.
وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ الذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى، واضح؟ فتكون هذه الجملة في موضع رفْعٍ على الخبر، فما هي البُشرى؟
البُشرى ما تَحْصل به البشارة، والبشارة هي في الأصل الخبرُ السَّارُّ، وسُمِّي الخبرُ السَّارُّ بشارة لأنه يظهر أثرُه على البشرة التي هي الجلدُ؛ فإنَّ الإنسان إذا أُخبر بما يسرُّه استنار وجهه وتغيَّر، فسُمِّيتْ بُشْرى.
وقول المؤلف: (الجنة) هذا لا شك أنه مِمَّا يدخل في البُشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المؤلف؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤] فمِن البُشرى الرؤيا الصالحة يراها الإنسانُ لنفسه أو يراها له مؤمن، فإن هذه من البُشرى كما قال النبي ﷺ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٤٢ / ١٦٦) من حديث أبي ذر الغفاري.]]؛ الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له؛ مثل أن يرى مَن يبشِّره بالجنة، أن يرى أنه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذه من البشرى.
ومن البُشرى أيضًا أن يُوَفَّق للعمل الصالح؛ إذا رأيتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى وفَّقك للعمل الصالحِ المبنيِّ على الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ فإنَّ هذه من البُشرى.
ومن البُشرى أيضًا أن يوفِّقك الله عز وجل لمصاحبة الأخيار؛« فإنَّ «الْمَرْء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» » كما جاء في الحديث «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة.]]، فإذا وجدتَ أن الله وفَّقك لمصاحبة الأخيار فإنَّ هذا عنوانٌ على السعادة.
ومن البُشرى أيضًا أن يحبَّ الإنسانُ من يحبُّه الله؛ فإن النبي ﷺ سُئِل عن الرجل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم، فقال ﷺ:« «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ». » قال أنس بن مالك رضي الله عنه«: ما فرِحْنا بعد الإسلام بشيءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث. » ثم قال: «فأنا أُحِبُّ النبيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بكر وعمر»[[هذه ثلاثة أحاديث ذُكِرت في سياق حديث واحد؛ الأول: ما أخرجه الشيخان -البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥)- من حديث أبي موسى قال: قيل للنبي ﷺ: الرجُل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم؟ قال: «المرءُ مع مَن أحبَّ». وأمَّا حديث «مَن أحبَّ قومًا ...» فأخرجه الطبراني (٢٥١٩) من حديث أبي قرصافة الكناني رضي الله عنه بلفظ: «مَن أحبَّ قومًا حشره الله في زُمرتهم». والثالث هو حديث أنس الذي أخرجه الشيخان –البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩)- بسنديهما عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ للساعة؟». قال: حبَّ الله ورسوله. قال: «فإنك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فما فرِحْنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي ﷺ: «فإنَّك مع مَن أحببتَ». قال أنس: فأنا أحبُّ اللَّهَ ورسولَه، وأبا بكرٍ وعمرَ، فأرجو أن أكون معهم وإنْ لم أعمل بأعمالهم.]]، فهذه من البُشرى.
المهم أن البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المؤلف؛ (الجنة)، وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر ١٧] أَمَر اللُّه النبيَّ ﷺ أن يبشِّر عباد الله، بَشِّرْهم بماذا؟ بشِّرْهم بالجنة وبكُلِّ ما يسُرُّهم، حتى في الدنيا المؤمن مسرورٌ دائمًا، وإنْ أُصِيب ببلاءٍ فإنه مسرور؛ لأنه إذا أُصِيب بالبلاء فصبر كان خيرًا له.
قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به، لِماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لأنَّ أصلها (عبادي) فحُذفت الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١] أي: من والِي، وإنْ كانت الياء في ﴿مِنْ وَالٍ﴾ غير الياء في (عبادي)؛ لأن الياء ﴿مِنْ وَالٍ﴾ من أصل الكلمة، وأمَّا هنا فهي كلمةٌ أخرى؛ الياء.
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مَن المراد بالعباد هنا؟ المراد خصوصيَّة العبودية؛ أي: عباد الله الصالحين لا كُل عبد.
ثم بيَّن من صفاتهم قال: ﴿