تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴿١٥﴾
فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥] لأنَّا ذكرنا أن الأمر هنا للتهديد، ولا تهديد إلا على شيءٍ مخالفٍ ومعصية.
* ومن فوائد الآية الكريمة -قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥] إلى آخره- بيان أنَّ الخسارة الفادحة التي ليس معها رِبْح هي خسارة هؤلاء ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* وفي الآية هذه: الإشارة إلى أنَّ الشرك هو سببُ هذه الخسارة؛ لأنه تلا قولَه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه﴾ ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ أهل الشرك يوم القيامة لا يجتمعون بأهليهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أنَّ عُمر الإنسانِ حقيقةً هو ما أمضاه في طاعة الله، ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهم قد خسروا أنفسَهم؛ لأنهم لم يعملوا خيرًا.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هذه الخسارة أعظمُ خسارةٍ تكون؛ لقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
* * *
نحن لم نتكلَّم في الأمس على ضمير الفصل، ولكن لا بدَّ أن يكون عندكم عِلمٌ منه، فضمير الفصل ضميرٌ، ليس اسمًا على القول الراجح، فليس له محلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤتَى به لفوائد ثلاث:
الأولى؟
* طالب: حتى لا يشبه الخبر مع الصفة.
* الشيخ: حتى لا يشتبه الخبر بالصفة؛ يعني: فيَفْصِل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا بالمثال؛ لو قلت: (زيدٌ الفاضلُ) فهنا يحتمل أن يكون (الفاضل) صفةً وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضلُ في البيت، مثلًا. فإذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا.
الفائدة الثانية لضمير الفصل؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: الحصر، لأنك إذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) يعني: لا غيرُه، بخلاف لو قلت: (زيدٌ الفاضل)، فهو فاضلٌ وقد يكون غيرُه فاضلًا أيضًا.
الفائدة الثالثة؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد؛ لأن قول القائل: (زيدٌ هو الفاضل) أوكد من قوله: (زيدٌ الفاضل).
أما (هو) فليس له محلٌّ من الإعراب، ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، ولو كان له محلٌّ من الإعراب لكان مبتدأً ولَرُفِع الذي بعده، ولَكانت الآية: لعلَّنا نتبع السحرة إنْ كانوا هم الغالبون.