×
الزمرالآية ١١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ ﴿١١﴾

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١] ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول؛ لأن الفاعل معلوم، وهذا يشْبِه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧) من حديث ابن عباس.]]. أنَّ الأرض لله؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر ١٠]، وهذا كما قال موسى لقومه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨]. * ومن فوائدها: فضيلة الصبر وأنَّ صاحبه يُوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠]. * ومن فوائدها: كرمُ الله عز وجل حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأنَّه معاوَضة يُعاوَض به الْمُعامل؛ لقوله: ﴿أَجْرَهُمْ﴾. * * * ثم قال تعالى -في ابتداء درس اليوم-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]. ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمَرني ربِّي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول لأنَّ الفاعل معلومٌ، وهذا يُشْبه حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٧)، من حديث ابن عباس.]]، «أُمِرْتُ»؛ لأن الآمِر معلومٌ وهو الله. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وجاءت بكلمة: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ للإشارة إلى مقام النبي ﷺ وأنَّه عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى، وليس له من حقِّ الربوبية شيء. وقال: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ أي: أتذلَّل له، والعبادة تُطلق على معنيين: المعنى الأول: التذلُّل لله الذي هو فِعْل العابد. والأمر الثاني: المتعبَّد به، وهي العبادات على جميع أنواعها. وعلى هذا يكون تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة في قوله: العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وذلك لأن العبادة -كما قلتُ- تُطلق على معنيين. * طالب: التذلُّل اللي هو فعل العبد. * الشيخ: التعبد وهو؟ * الطالب: التذلل. * الشيخ: على معنيين: المعنى الأول؟ * الطالب: التذلُّل (...)، المعني الثاني .. * الشيخ: يعني التعبد، الذي هو فِعل العبد، والثاني؟ * الطالب: العبادات. * الشيخ: إي، المتعبَّد به وهي العبادات، وعلى هذا المعنى تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: العبادة.. * طالب: (...). * طالب آخر: العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. * الشيخ: أحسنت، تمام. وهنا ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ يشمل المعنيين؛ يعني أنْ أتعبَّد له بالعبادة. وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حالٌ من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾؛ أي: حالَ كوني مخلصًا لله، من أيِّ شيء؟ من الشرك؛ لأن الإخلاص يعني التنقية، ويُنَقَّى من أيِّ شيء؟ يُنَقَّى من الشرك؛ لأن العمل إذا شابَهُ الشركُ أفسده وأبطله؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال: (من الشرك)، والمرادُ بالدين هنا العملُ الذي يفعله الإنسان ليُدانَ به. لاحظوا التفسير: العمل الذي يعمله الإنسان لأجْل أن يُدان به. وأمَّا عملٌ لا يؤمَّل أن يُدان به فهذا لا يُسَمَّى دينًا وإنْ كان عملًا، لا بدَّ أن يكون عاملًا من أجْل أن يُدان بهذا العمل. يقول عز وجل: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومرَّ علينا كثيرًا أنَّ الدين يُطلَق على العمل ويُطلَق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الجزاء، وفي قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] أي: العمل. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال المؤلف -المفسِّر-: (أي: بأنْ)، فجعل اللام بمعنى الباء؛ وذلك لأن (أَمَرَ) إنما تتعدَّى بالباء ولا تتعدَّى باللام، فلهذا فسَّرها المؤلف بالباء، وهذا أحد المسلكين للنُّحاة فيما إذا تلا الفعلَ حرفٌ لا يتعدَّى به غالبًا، فإنهم يجعلون هذا الحرف بمعنى الحرف الذي يتعدَّى به العامل –أي: الفعل أو غير الفعل- غالبًا، فهمتم؟ فمثلًا هنا: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يجعلون اللام بمعنى الباء، وفي قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] يجعلون الباء بمعنى (مِنْ)؛ أي: يشرب منها. والمسلك الثاني للنُّحاة أنهم يحوِّلون الفعل إلى فعلٍ مناسبٍ للمتعلِّق ويُسَمُّون هذا تضمينًا؛ أي إنَّ الفعل ضُمِّن؛ الفعلُ المذكورُ ضُمِّن فعلًا يتعدَّى بالحرف المذكور؛ فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يقولون: المعنى: يَرْوَى بها، فضُمِّن الشُّرب معنى الرِّيِّ، ولا شكَّ أن هذا يعطي الآية أو النص معنًى أكثر؛ لأنه يُبقي الحرفَ على ما هو عليه ويعطي الفعلَ المذكورَ معنًى زائدًا على ما يدلُّ عليه لفظُه، فيكون هذا المسلك أولى. لكن أحيانًا يصعب على طالب العلم -ولا سيَّما المبتدئ- يصعب أن يقدِّر الفعل المناسب الذي يكون مضمونًا للفعل المذكور، حينئذٍ يلجأ إلى الأسهل وهو تحويل الحرف إلى حرفٍ يناسب الفعلَ المذكور. فهنا ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ لا شكَّ أنه من السهل أن أقول: إنَّ اللام بمعنى الباء، وأمشي؛ يعني: أُمِرتُ بأنْ أكون. لكنْ لو أردنا أن نُضَمِّن ﴿أُمِرْتُ﴾ معنًى يناسب اللام ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يحتاج إلى تأمُّل وتفكير في المعنى، لماذا قال: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾؟ ممكن أن نقدِّر: أُمِرتُ أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأنْ أكون أولَّ المسلمين، فتكون اللام تعليلًا للفعل المحذوف، وهو: أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأن أكون أول المسلمين؛ يعني: وُجِّهَ الأمرُ إليَّ أولًا لأكون أولَ المسلمين؛ أي: المنقادين لأمر الله، وحينئذٍ نستفيد من هذا معنيين: معنى الأمر، ومعنى العبادة التي حُذفت ليصحَّ تعليق الحرف بها. قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (من هذه الأُمَّة)، ﴿لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال المؤلف: (من هذه الأُمَّة). وكلمة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الإسلام يُطلَق على الانقياد؛ لأنه مأخوذٌ من: أَسْلمَ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه الاستسلام في الحرب؛ لأن المستسلم ينقاد للغالب الذي غلبه. فالإسلام هو الانقياد ظاهرًا، وبناءً على هذا يكون المنافقون أيش؟ مسلمين ظاهرًا، ولهذا يُطلَق الإسلامُ على ضعيف الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]. أحيانًا يُطلَق الإسلام على الشريعة كلِّها فيشمل الاستسلامَ ظاهرًا وباطنًا، وهو الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، ليس المراد الاستسلام الظاهر، وإنما المراد الشرائع كلُّها، شرائع الإسلام كلُّها؛ ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ أي: شرائع الإسلام كلُّها ﴿دِينًا﴾. يقول أهل العلم: الإسلام إذا قُرِنَ بالإيمان فُسِّر الإسلامُ بالأعمال الظاهرة، والإيمانُ بالأعمال الباطنة. قالوا: ومن ذلك حديثُ جبريل لَمَّا سأل النبيَّ ﷺ عن الإسلام قال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ»، ولَمَّا سأله عن الإيمان قال:« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]. أمَّا إذا أُفْرِد أحدُهما فإنه يشمل الآخَر؛ فالإسلامُ إذا ذُكِر وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإيمان، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإسلام. يقول هنا: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر ١٢] قال: (من هذه الأُمَّة). لماذا قيَّد الآية مع أنها مطْلقة ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾؟ قيَّدها لأنه -رحمه الله- فَهِم أنَّ الأوَّلية هنا أوَّلية الزمن، وإذا كانت أوَّلية الزمن فإنه لا يصح أن يكون النبيُّ ﷺ أولَ المسلمين، لماذا؟ لأنَّ قبله أُمَم مسلمة كثيرة، فكان لا بدَّ أن نقيِّد هذا بأول المسلمين من هذه الأُمَّة، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام، اتْلُ الآية: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢، ١٦٣] على ما مشى عليه المؤلف من الفهم نقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأُمَّة. فيه احتمال آخَر أنَّ الأولية هنا أولية الصِّفة؛ يعني أنني أسبق المسلمين من حيث التقدُّم إلى الإسلام، كما تقول مثلًا لمن يخاطبك: إن كان هذا الذي قُلتَه حقًّا فأنا أول مَن يساهم، مثلًا لو قال: إنَّه فُتح مشروع في البلد خيري فقلت: إذا كان حقًّا فأنا أول مَن يساهم؛ يعني: (أوَّل) من حيث الانقياد والصِّفة، هذا فيه احتمال، وإذا كان هذا المعنى في الآية الكريمة فإننا لا نحتاج إلى أيش؟ إلى القيد الذي قاله المؤلف؛ لأننا نعلم أن رسول الله ﷺ هو أول مَن ينقاد لله سبحانه وتعالى، وأنه أعظمُ الناسِ انقيادًا وأشدُّهم. ثم قال: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر ١٣]، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول لأيش؟ لـ﴿عَصَيْتُ﴾؟ * طالب: أو لـ﴿أَخَافُ﴾. * الشيخ: أو ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾؟ * الطالب: أصله: أخافُ عذابَ. * الشيخ: أخافُ عذابَ، وليست مفعولًا لـ﴿عَصَيْتُ﴾ ليش؟ * طالب: (...). * الشيخ: العذاب لا يُعصى، المعنى يفسد. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوف لا يمكن أن نُعَرِّفه بأَبْين من لفظه، كلُّنا يعرف الخوف، أليس كذلك؟ ولهذا نقول: إن الانفعالات النفسية لا يمكن لأحد أن يُعَرِّفها؛ لأنه ليس أَبْين من لفظها، ليس هناك شيءٌ أَبْين من لفظها أبدًا. لو قال إنسان: عرِّفْ لي الكراهة، ويش تقول؟ تقول: الكراهة معروفة، الكراهة هي الكراهة. عرِّف لي المحبة. ما تقدر تقول، المحبة هي المحبة. * طالب: الْمَيْل. * الشيخ: لا، الْمَيْل آثار المحبة، بعدما يحب يميل، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في روضة المحبِّين -والله أعلم هل هي له أمْ لا- يقول: لا يمكن أن نحدَّ المحبَّة بأَبْين من لفظها أبدًا، كلُّ الذين عرَّفوها -فيها أكثر من عشرين تعريفًا- كلُّهم إنما يفسرونها بلوازمها ونتائجها. وصدق رحمه الله، الانفعالات النفسية ما يستطيع الإنسان يعرِّفها بأكثر من لفظها. ﴿أَخَافُ﴾ لو تسأل صبيًّا لا يعرف التعريفات تقول: ويش معنى الخوف؟ يقول: الخوف أني أرتعش، أتنافض. لا يمكن، هذا من آثاره. الخوف أنْ أهرب، هذا من آثاره. إذَنْ نقول: الخوفُ أيش؟ معروفٌ، هو الخوف. ﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، ﴿عَصَيْتُ﴾ المعصية: المخالَفة، وتكون بأمرين؛ إمَّا بتركِ مأمورٍ وإمَّا بفعلِ محظورٍ، هذا إذا أُفردتْ عن الطاعة، فإن قُرِنتْ بالطاعة صارت الطاعةُ فِعْلَ المأمورِ والمعصيةُ ارتكابَ المحظورِ. هنا نقول: ﴿عَصَيْتُ﴾ مفردة عن الطاعة، فماذا يكون المعنى؟ * طالب: تشمل معنيين. * الشيخ: تشمل معنيين: مخالفته؛ ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي: خالفتُه بفعل المنهي عنه أو بترك المأمور به. وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى أنه عز وجل هو الذي له الأمر والنهي؛ لأنه ربٌّ، والربُّ خالقٌ مالكٌ مدبِّر. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، ووصَفه الله تعالى في القرآن الكريم بعدَّة أوصاف منها: العِظَم؛ وذلك لشدَّته وشدَّة أهواله، وشدَّة ما يكون فيه، وإذا سمعت الأوصاف التي ذكرها الله عز وجل لهذا اليوم العظيم فإنه لا شكَّ يعتريك من الخوف بقدر ما أنت مؤمنٌ به. لاحِظُوا، كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا باليوم الآخِر كان منه أشدَّ خوفًا، وكلَّما ضَعُف إيمانه باليوم الآخِر ضَعُف خوفه منه، ولهذا لدينا عبارة مأثورة: كلُّ مَن كان بالله أعرَف كان منه أخوَف. وكلُّ مَن كان -أيضًا- باليوم الآخِر أعرَف وأقوى إيمانًا كان أقوى مخافةً. يقول عز وجل: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر ١٣، ١٤] في الأول قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢] أمْر، في الثاني: أَمَره أن يُعلن بأنه مخلصٌ لله الدينَ، أن يعلن، ففي الأول يفعلُ هو؛ يعبد الله مخلصًا له الدين، في الثاني: أُمِر أن يعلن للملأ أنه مخلصٌ، وإعلانه أنه مخلصٌ يعني أنه متبرئٌ من شركهم لأنه مخلصٌ لله. ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ إعرابها؟ اسم الجلالة؟ * طالب: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فاعل. * الشيخ: فاعل! كمِّل. * الطالب: مفعول به. * الشيخ: فاعلٌ مفعولٌ به! ما يمكن، إمَّا فاعلٌ وإمَّا مفعولٌ به. * الطالب: مفعول به. * الشيخ: مفعول به لأيش؟ * الطالب: لـ﴿قُلِ﴾. * الشيخ: لـ﴿قُلِ﴾، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ ! * الطالب: لـ﴿أَعْبُدُ﴾. * الشيخ: مفعول به لـ﴿أَعْبُدُ﴾؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، صح، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به للحصر؛ يعني: لا أعبد غيره. ونظيره من حيث التركيب قولُه تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] فقدَّم المفعولَ به. هنا ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدَّم المفعولَ به لإفادة الحصر، ثم أكَّد هذا بقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾؛ يعني لا أعبد غير الله، وفي عبادتي له أيضًا أكون مخلصًا له، لا يشوب عبادتي إيَّاه شيءٌ من الشرك، ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾. وقوله: ﴿دِينِي﴾ يعني: عملي. قال المؤلف: (من الشرك). إذا جمعت بين الآيتين: الآية الأولى وهي: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١]، والثانية، عرفْتَ شدَّة امتثال الرسول عليه الصلاة والسلام لأمْر ربِّه، وأنَّه عَبَدَ اللَّهَ مخلصًا له الدين، وأعلن ذلك للملأ غير مبالٍ بمخالفتهم. ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر ١٥]، ﴿فَاعْبُدُوا﴾ هذا يحتمل أن يكون تهديدًا ويحتمل أن يكون تحدِّيًا، المؤلف يقول: (فيه تهديد)، ويمكن أن يكون تحدِّيًا. أمَّا كونُه تهديدًا فظاهر، ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ لأنه قال بعده: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى آخره [الزمر: ١٥]. وأمَّا كونُه تحدِّيًا فلأنَّه لَمَّا ذكر أنه يعبد الله وحده مخلصًا تحدَّاهم؛ قال: أنا لا أُبالي، أنتم اعبدوا ما شئتم وأنا لا أُبالي بكم، فسوف لا أشرك بالله، سوف أعبد الله وحده مخلصًا. والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتنافيان يُحمَل عليهما جميعًا. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ يعني: الذي شئتم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من سواه؛ اعبدوا ما تشاؤون من سواه؛ ملكًا، وليًّا، شجرًا، حَجَرًا، شمسًا، قمرًا، أيُّ أحد تعبدونه لا يهمني، أنا سوف أبقى مخلصًا لله وأنتم اعبدوا ما شئتم. يقول المؤلف: (﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيره) أي: سواه (فيه تهديدٌ لهم وإيذانٌ بأنهم لا يعبدون الله). (إيذان) يعني إعلان، أي إنَّ هذه الجملة فيها التهديد، وفيها أنهم لا يعبدون الله وإنما يعبدون غيره. ﴿قُلْ﴾ يعني: قُل لهم مع تحدِّيك إيَّاهم وتهديدك إيَّاهم ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر ١٥]. الجملة فيها تأكيدٌ وفيها حصرٌ، أين التأكيد؟ * طلبة: ﴿إِنَّ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّ﴾، ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾. الحصر: أنَّ طرفَيِ الجملة معرفتان: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾؛ فكأنَّه قال: إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. فإذَنْ فيها تأكيدٌ وحصرٌ. ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ مَن الخاسر؟ الخاسر بيَّنه الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٢، ٣] يعني الْخُسران ضدُّ الرِّبح؛ وذلك أن الْمُعامل إمَّا أن يأخذ رأسَ ماله، وإمَّا أن يخسر فيأتيه أقلُّ من رأس ماله، وإمَّا أن يربح فيأتيه أكثر. الْخُسران الحقيقي ما ذكره الله هنا: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] هؤلاء هم الذين خسروا، ليس الخاسر مَن فقدَ ملايين الدراهم، وليس الخاسر مَن فقدَ أهلَه في الدنيا، وليس الخاسر مَن فقدَ نفسَه في الدنيا، الخاسرُ مَن خسر نفسَه وأهلَه متى؟ يوم القيامة، خسر نفسَه وأهلَه. يقول: (بتخليد الأنفسِ في النار، وبعدم وُصُولهم إلى الحور المعَدَّة لهم في الجنة لو آمنوا). قوله: (بتخليد الأنفسِ في النار) هذا بيانٌ لِخُسرانهم أنفسهم؛ لأنه خسر نفسَه في الحقيقة، ما وجْه الخسران؟ وجه الخسران أنَّ حياته في الدنيا لم يستفدْ منها في الآخرة إطلاقًا، فخسر نفسَه، خسر عمرَه، كله راح هباءً منثورًا، خسر نفسَه، لو أنه مؤمنٌ مخلصٌ لَاستفاد؛ لَكان كل حياته الدنيا ربحًا؛ لأنه سوف يخلد في الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بَشَر، أمَّا الآن فسيخلد في النار، هذا خسارةُ النفس. خسارة الأهل فسَّرها المؤلف بأنه يفوته الحور العِين في الجنة لو آمن، وهذا وإنْ كان له وجهٌ لكنَّه بعيدٌ من الصواب، وذلك لأن الحور في الجنة لم تكن أهلًا له حتى يُقال: خسرها، وإنما المراد خسروا أهليهم؛ لأن أهليهم إنْ كانوا مؤمنين فهُم في الجنة، ولن يجتمعوا بهم، وإن كانوا كفَّارًا فهُم في النار ولن يجتمعوا بهم أيضًا، ولو كانوا مؤمنين وذُرِّيتهم مؤمنةً لَكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، يعني لنْ يجتمع أحدٌ مع أهله في الدنيا، لن يجتمع في الآخرة إلا إذا كان هو وهُم مؤمنين فسيجتمعون اجتماعًا لا فراق بعده، أمَّا مَن لم يكن كذلك فلا اجتماع. على كلِّ حالٍ الصحيحُ أن المراد بـ﴿أَهْلِيهِمْ﴾ يعني أهليهم الذين في الدنيا حيث خسروا الاجتماعَ بهم في الآخرة، ووجْه الخسران؟ * طالب: أنه إذا كانوا مؤمنين وهم كفارٌ فلنْ يلتقوا بهم. * الشيخ: لأن الأهل في الجنة وهؤلاء في النار، تمام. * الطالب: وإذا كانوا كافرين فكذلك لن يلتقوا بهم. * الشيخ: نعم، لأن كلَّ واحدٍ مشغولٌ بنفسه، تمام. قال الله عز وجل: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥] إي واللهِ. ﴿أَلَا ذَلِكَ﴾ شوف التأكيد البالغ، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، والفائدة منها: التوكيد والتنبيه. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة لبُعده؛ لأنه خُسرانٌ سحيقٌ -والعياذ بالله- يعني لم يقُل: ألَا هذا، مع أن ذِكْره قريب، لكنَّه خُسرانٌ سحيقٌ، فأُشير إليه بإشارة البُعد، ثم حُصِر؛ قال: ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ﴾ يعني لا غير، ثم أُكِّد بفداحته؛ قال: ﴿الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن الذي لا يخفى على أحد، نسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من الرابحين (...). * * * فيه مناقشة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ١١] قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾، مَن هو الآمر؟ * طالب: الله عز وجل. * الشيخ: حُذِف؟ * الطالب: لأنه معلوم. * الشيخ: نعم، للعلم به. قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، إعراب مخلصًا؟ * طالب: حال. * الشيخ: من أين؟ * الطالب: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾. * الشيخ: من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾. و﴿الدِّينَ﴾؟ * الطالب: و﴿الدِّينَ﴾ مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾. * الشيخ: مفعول به لـ﴿مُخْلِصًا﴾. ما معنى إخلاص الدين؟ * طالب: يعني إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى؛ يعني توجيه العبادة له سبحانه وتعالى ليس لغيره (...). * طالب آخر: (...). * طالب آخر: تنقيته من الشوائب الشركية. * الشيخ: نعم، الإخلاص .. إخلاصُ الشيء تنقيته من الشوائب، والشوائب هنا شوائبُ الشرك. ﴿