تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴿٦﴾
وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦].
* في هذا أيضًا: دليل على تَخَوُّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم؛ ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يُدْعَى فيها إلى التوحيد، كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يحنون على باطلهم ويحافظون عليه ويخافون مِنْ تَزَعْزُعِه؛ لقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وهكذا أهل الباطل تجدهم دائمًا يحوطون باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يُمَزِّق هذا الباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثيرًا في بقائه وثباته، من أين يؤخذ؟ من التواصي بالثبات على ما هم عليه والصبر على آلهتهم، ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيرًا من العمل الفردي مهما كان الفرد، يعني مهما كان الفرد في القوة لا شك أن العمل الجماعي له تأثير، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتزوج الودود الولود[[أخرج أبو داود (٢٠٥٠) بسنده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».]]؛ من أجل كثرة الأمة، فإن الكثرة لها تأثير عظيم؛ ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، وذَكَّر شعيب قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]. والعامة يقولون: (الكثرة تغلب الشجاعة).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يقول قولًا يَعْنِي به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان إذا عَنَى ما يقول فإن تأثيره في المخاطب أكثر؛ لأن الخطاب كما يكون باللسان فإن اللسان وسيلة للتعبير عما في القلب، ثم إن كان اللسان يُعَبِّر عما في القلب حقيقة فإن الوسيلة التى تتلقى هذا القول وهي الأذن توصل ما تسمع إلى القلب؛ ولهذا يقول العامة: (ما كان باللسان فلن يتجاوز الآذان، وما كان من القلب نفذ إلى القلب)، وهذا صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلًا: لو قام رجلان يعظان الناس أحدهما يعظ من قلب وتشعر بأنه يتكلم من قلب ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشد ترصيعًا للكلام وتنميقًا له لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول. أيهما أشد تأثيرًا؟
الأول أشد، لو قام عاميٌّ يتكلم بكلام عاميٍّ لكن يُنْقَل تأَثَّر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦] يعني: يقال ويُراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ والله أعلم.