تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾
أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾
وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص ٤].
* في هذا دليل على سفه قريش الذين كذَّبوا الرسول ﷺ واستنكروا ما جاء به؛ ووجه ذلك أنه لم يَأْتِهِم أحد غريب عليهم لا في جنسه ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشرٌ مثلهم ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكارًا مما جاءهم.
* ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؛ لقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ يعني قد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ وأنه لم يُفرِّط في رسالته، بل أنذر وقام بما قام به من البلاغ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عَجِبوا استنكارًا كفارٌ؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلَّ مَنْ قال مثل قولهم وعجب مثل عجبهم فإنهم كفار، من أي جنس كان من البشر.
* ومن فوائد الآيات: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، والساحر يؤثر في المسحور.
* ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قالوا: أنه ساحر كذاب، والحقيقة أن الكذاب هم، هم الكذابون بما وصفوا به رسول الله ﷺ.
* ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصيًّا، ولكنهم يعادونهم عداء معنويًّا لما جاؤوا به من الرسالة.
ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل متبعي الرسول، كل من اتبع الرسول فسيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين.
ويتفرع على ذلك تسلية مَنْ وجد عداءً من أعداء الله إذا تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.
* ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يضعون ألقاب السوء لمن تمسَّك بالشرع، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يضعون ألقاب السوء لكل مَنْ تمسَّك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقد حصل هذا؛ فإن أهل التعطيل مثلًا يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية، مجسمة، ممثلة، رعاع، غوغاء، حشوية، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس.
والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله لوجدنا هذا اللقب يصدُق عليهم هم. ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء القراء.
هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق على مَنْ؟ عليهم هم، هم أكذب الناس ألسنًا وأجبن الناس عند اللقاء وأرغب الناس بطونًا، ليس لهم هم إلا بطونهم، فكل مَنْ وصف أهل السوء بوصف فإن وصفه يكون هو أول المتصفين به.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يقيموا عليه حجةً فيما كذبوه فيه وليس عندهم إلا السب والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوءك، فإذا وجدت الذي ناوءك، ليس عنده إلا الصراح والعويل ولطم الخد ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة، إنما يريد أن يهوش عليك لعلك تنهزم، وإلَّا فصاحب الحجة يدلي بحجته بدون إثارة، يُدْلِي بحجته بهدوء بدون أن يثير، أما أن يَسُب ويشتم فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مَهْربًا ومخلصًا مما هو عليه من الضيق الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
* فوائد هذه الآية:
* من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى التوحيد، إلى توحيد الله عز وجل في ألوهيه أو في ربوبيته؟ هو مع هؤلاء يجادلهم في الألوهية ويدعوهم إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية، لكنهم ينكرون توحيد الألوهية؛ ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقروا به.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد، ما قال: صلوا ولا زَكُّوا ولا صوموا ولا حجوا؛ دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا شأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام العملية؛ فإنه لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية؛ حيث ادَّعَوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جدًّا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وكما قلت لكم آنفًا: إن مَنْ وصف الحق بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيما أشد عجبًا؟ رجل يدعو إلى توحيد الله وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد! أيهما أعجب؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدَّعُوا أن مع الله شريكًا، هذا هو الشيء العجاب، أَمَّا رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فِعْلُكُمْ أنتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكِّدات في الكلام وأنه من الأساليب اللغوية؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ(إن) واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿