×

ص

الآية ٤٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ﴿٤٤﴾

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص 44]. وهذا الحكم ثابت حتى في الشريعة الإسلامية. فلو حلف رجلٌ أن يضرب شخصًا مئة مرة، وكان هذا الشخص لا يتحمل الضرب مئة مرة، قال أهل العلم: فله أن يأخذ ضغثًا فيه مئة شمراخ ويضرب به، وبنوا على هذا ما لو زنى رجل مريض مرضًا لا يُرْجَى زواله ولا يتحمل الجلد مئة على انفراد، قالوا: فإنه يجمع له ضغث فيه مئة عود ويُضْرَبُ به ضربة واحدة، أخذًا مما أفتى الله به مَن؟ أيوب. * ومن فوائد هذه الآية: أن الحنث في اليمين في الأصل أو أن المخالفة في اليمين في الأصل حرام؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾. ولكن الله تعالى يسَّر لعباده فأجاز لهم الحنث مع الكفارة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة 89]. قال العلماء: ﴿احْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: لا تكثروا اليمين. وقال بعضهم: احفظوها من الحنث، فلا تحنثوا فيها. والوجهان كلاهما لا يتنافيان، المهم أن الإنسان ينبغي له أن يحفظ يمينه فلا يحنث، لكن مع ذلك أحيانًا يكون الحنث خيرًا. وقد قسَّم العلماء رحمهم الله الحنث في اليمين إلى الأحكام الخمسة؛ فقالوا: قد يجب الحنث، وقد يَحْرُم، وقد يُكْرَه، وقد يُسْتَحب، وقد يُباح. فإذا حلف ألَّا يصلي مع الجماعة فالحنث واجب؛ يجب أن يصلي ويكفِّر، ولو حلف أن يشرب الخمر فالحنث واجب؛ يجب أن يدعه وأن يكفِّر، ولو حلف ألَّا يشرب الخمر كان الحنث محرمًا؛ لأنه لو شرب لفعل محرمًا ووقع في محرَّمٍ، ولو حلف ألَّا يصلي راتبة الظهر فالحنث هنا مستحب، ولو حلف أن يأكل بصلًا أو ثومًا وهو ممن يحضر المسجد كان الحنث مستحبًّا، ولو حلف ألَّا يأكل كان مكروهًا. المهم أن المكروه والمستحب متضادان، والواجب والمحرم متضادان، أما المباح فهو إذا تساوت المصلحة والمفسدة فهو مباح. * ومن فوائد هذه الآيات: الثناء على أيوب بالصبر؛ لقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44]، وهذا يتعدى إلى غيره، فإن من كان صابرًا فهو محل للثناء. * ومن فوائد الآية: الثناء على أيوب بهذا الوصف: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، والعبودية لله عز وجل لا شك أنها تمام الحرية، فكل من كان لله أعبد فهو أشد تحررًا ممن كان على العكس. وقد قال ابن القيم رحمه الله بيتا في النونية مفيدًا قال: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ رحمه الله. يعني الإنسان لا بد أن يخضع لشيء، فهؤلاء هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ .............................. وهو عبادة الله. ................................ ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ صاروا عبيدًا لنفوسهم وشياطينهم، فأشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله عز وجل. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من عباد الله الصالحين. * ومن فوائد هذه الآية: الثناء على أيوب بكونه رجَّاعًا إلى الله تعالى بفعل الطاعات وترك المعاصي؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وعلى هذا فيكون هذا الوصف ثناءً لكل من اتصف به، فكل من كان رجَّاعًا إلى الله فإنه يُثْنَى عليه. * ومن فوائد الآيات: إثبات الأسباب وجواز نسبة الشيء إلى سببه المعلوم حسًّا أو شرعًا؛ يعني يجوز أن يُضاف الشيء إلى سبب المعلوم حسًّا أو شرعًا بدون أن ينسب إلى الله، فلو قلت مثلًا: سقطت في البحر، ولولا فلان لغرقت لكان هذا صحيحًا. لماذا؟ لأنه أضافه إلى سبب معلوم؛ فلان هو الذي انتشله من الماء، ولو قال: سقطت في البحر، ولولا فلان الولي الميت لهلكت لكان هذا شركًا، وهو شرك أكبر في هذا الحال. المهم أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم دون أن يضاف إلى الله هذا جائز، ومن ذلك قول الرسول ﷺ في عمه أبي طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (3883)، ومسلم (209 / 357) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، «لَوْلَا أَنَا»، » فأضاف الشيء إلى سببه المعلوم، أما إذا أضافه إلى سبب غير معلوم فهذا نوع من الشرك؛ قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، بحسب الحال. * طالب: الفائدة ما ذكرنا، من أين أخذناها؟ * الشيخ: من قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص 41] أضافه إلى السبب.