×

ص

الآية ٤١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص 41] ﴿اذْكُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ويجوز أن يكون مُوَجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه من البشر. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ أعاد الفعل، ﴿اذْكُرْ﴾ مع أنه في قصة سليمان لم يُعِدْه، بل قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص 30]، ولم يذكر ﴿اذْكُرْ﴾، قال بعض العلماء: لأن سليمان بن داود فقصتهما متقاربة كأنما هي قصة نبي واحد، أما أيوب فهو منفصل عنهما ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله وهذه العبودية من العبودية التي هي أخص الخاصة؛ لأنها عبودية الرسالة. وقوله: ﴿أَيُّوبَ﴾ هذه عطف بيان أو بدل؟ * طالب: عطف بيان. * الشيخ: منين؟ * الطالب: من ﴿عَبْدَنَا﴾. * الشيخ: من ﴿عَبْدَنَا﴾. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ﴿إِذْ﴾ متعلقة بـ﴿اذْكُرْ﴾، ويجوز أن تتعلق بمحذوف حالًا من (عبد) يعني في حال نداء ربه. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء يكون بالصوت المرتفع، والنجاء يكون بالصوت المنخفض قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم 52]. (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ ) قدَّر المؤلف الباء هنا؛ لأن همزة (أن) مفتوحة، والقاعدة أن همزة (أن) تكون مكسورة إذا جاءت بعد القول كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم 30]، لكنها هنا مفتوحة فقدَّر المؤلف الباء؛ لأننا إذا قَدَّرْنَا الباء صارت تسبق هي وما بعدها المصدر، وإذا سبقت (أن) وما بعدها المصدرَ كانت مفتوحة الهمزة كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية: وَهَمْزَ (إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ∗∗∗ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي بأني) ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ﴿مَسَّنِيَ﴾ يعني: أصابني، و﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو شيطان الجن. (﴿بِنُصْبٍ﴾ ضر ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم) وكان الشيطان قد أذاه، ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه أو أنه إيذاء حسي كما قال بعضهم: إن الشيطان نفث في جسده حتى أصبح جسده كله جدريًّا يعني حبوبًا ضارة، فالله أعلم يحتمل هذا وهذا. النُّصْب يعني الضرر والعذاب يعني الألم، لما نادى اللهَ عز وجل وتضرع إليه وعَلِمَ أنه لا ملجأ من الله إلا إليه حينئذ جاءه الفرج فقيل له: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) وهذا الأمر من الله عز وجل. قبلها المؤلف يقول: (ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدبًا معه تعالى) نسب ذلك إلى الشيطان لأنه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، فالله تعالى هو الذي بحكمته سَلَّط عليه الشيطان، فالشيطان مباشر للعلة لكنَّ تسلطه كان بقضاء الله وقدره، والمؤلف رحمه الله سلك مسلكًا غير الذي قلتُه الآن فأنا أقول: نَسَبَه إلى الشيطان لأنه هو؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، هو المباشر للعلة وهو سبب بلا شك، لكن سبب مباشر، وفي الحقيقة أن الشيطان إنما سُلِّط بقضاء الله وقَدَرِه المؤلف يرى أنه نُسِبَ إلى الشيطان تأدبًا، وإلَّا فالأصل نسبته إلى الله فهو كقوله تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10]، فالجن قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن 10] ومعلوم أن مريد الشر هو الله عز وجل لحكمة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن 10] فهم حذفوا الفاعل تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأن الشر ليس إليه. على كل حال الشيطان هو الذي مَسَّ أيوب، وقد علمتم أن مَسَّه إما أن يكون مَسًّا نفسيًّا أو حسيًّا. قال الله تعالى بعد أن تفرغ قلبُه من كل من سوى الله ولجأ إلى ربه قال: (﴿ارْكُضْ﴾ اضرب ﴿بِرِجْلِكَ﴾ ) اضرب بها الأرض، فضرب بها الأرض فنبع منها الماء بإذن الله، ما يحتاج إلى حَفَّار ولا إلى أحد يساعد، ضربة واحدة، فنبع الماء والله على كل شيء قدير. وهذا أحد الضربات التي نبع بها الماء على أنه آية من آيات الله، الثاني موسى يضرب الحجر فيتفجر اثنتي عشرة عينًا، الثالثة جبريل ضرب بعقبه أو جناحه مكان زمزم فنبع الماء، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فضرب برجله الأرض (فنبعت عين ماء فقيل له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ ماء تغتسل به ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ تشرب منه) الله أكبر؛ يعني: أبيح له أن يغتسل ويشرب، وهذا الماء أيضًا مع أنه نبع من الأرض، والغالب أن النابع من الأرض يكون ساخنًا لكن هذا صار باردًا (فاغتسل به وشرب منه فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره) بقدرة الله عز وجل وإرادته. ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص 43] قال المؤلف: (أي: أحيا الله له مَنْ مات من أولاده ورزقه مثلهم) فجعل المؤلف الهبة بمعنى الإحياء، ولكنَّ في هذا نظرًا؛ لأن الإحياء يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، وليس في الآية ما يدل على هذا، بل إن الله وهب له أهله حيث أَوَوْا إليه بعد أن شردوا منه؛ لأن الرجل بسبب المرض النفسي، وربما نقول: النفسي والحسي البدني شرد منه أهله، عجزوا عن أن يعيشوا معه فشردوا، فلما عافاه الله أوى إليه أهله فتكون هذه الهبة إعادة ما سبق كما سَمَّى عمر بن الخطاب إعادةَ قيام رمضان جماعةً سماها بدعة[[أخرجه البخاري (2010) من حديث عمر بن الخطاب.]] مع أنها ليست بدعة في الواقع، مع أنها ليست هبة ولكن إعادة موهوب شرد. وأما القول بأنه أحياهم بعد إماتتهم فهذا يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، ولكن الصحيح أنه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنما هذه الهبة أيش؟ إعادة موهوب سبق؛ لأنهم نفروا منه وشردوا عنه. وقوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ هذا هو الذي نقول: إن الله رزقه أولادًا جُدُدًا؛ لأن زوجته رجعت وحاله صلحت وصار ينجب فبارك الله له في ولده. (﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً﴾ نعمة ﴿مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ). قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ إن كان عائدًا على الأهل ومَنْ وُهِبَ له من جديد فهي رحمة مخلوقة، والرحمة قد تُطْلَق على المخلوق كما قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (4850)، ومسلم (2846 / 34) من حديث أبي هريرة.]]؛ وعلى هذا فتفسير المؤلف للرحمة بالنعمة تفسير أيش؟ صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح، إذا جعلنا الرحمة هنا عائدة على الأولاد على الأهل ومثلهم معهم فإن تفسيره صحيح لأن الرحمة هنا مخلوقة، وإن أريد بالرحمة صفة الله عز وجل يعني أن هذا من رحمتنا؛ أي: ناشئ عن رحمة الله فالرحمة هنا أيش؟ غير مخلوقة، الرحمة هنا غير مخلوقة؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غير مخلوقة. إذن كلام المؤلف لا يمكن أن يُخَطَّأ على الإطلاق حيث فَسَّر الرحمة بالنعمة، ومعروف أن الأشاعرة يفسرون رحمة الله بأيش؟ بالنعمة أو بالإحسان، ولا يرون أن لله رحمة هي صفته، فكلام المؤلف لا يُنْتَقَد من كل وجه؛ لاحتمال أن يكون المراد بالرحمة ما وهب الله له من الأهل ومثلهم معهم، يعني أنها يراد بها الموهوب والموهوب لا شك أنه مخلوق. أما إذا أردنا ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ الرحمة التي هي صفة الله أي أن هذا ناشئ عن رحمتنا التي نحن متصفون بها وهو الرب عز وجل فإن تفسير المؤلف ليس بصحيح؛ لأن الرحمة حينئذ تكون أيش؟ صفة من صفات الله ليست نعمة خلقًا بائنًا عن الله عز وجل. وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ كيف نعربها؟ * طلبة: مفعول لأجله. * الشيخ: إي، مفعول لأجله، وهذه علة السابقة، العلل قسمان: علة غائية منتظرة وعلة السابقة مُوجِبة؛ فمثلًا إذا غضب الإنسان وضرب ولده، الضرب هنا من الغضب العلة سابقة ولَّا لا؟ * طلبة: سابقة. * الشيخ: سابقة، إذن عِلَّة موجبة، إذا سافر الإنسان ليَتَّجر فهنا العلة غائية لاحقة ما هي سابقة، الأولى عِلَّة باعثة موجبة، لا، الإيجاب في كل العلتين، لكنها باعثة حاملة للإنسان، والثانية علة غائية لاحقة. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني نفسه تبارك وتعالى، وأتى بصيغة الجمع تعظيمًا لله، الغريب أن هذا الجمع من الألفاظ المتشابهة التي استدل بها النصارنيُّ على تعدد الآلهة؛ لأن النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة ليس إلهًا واحدًا فيقول عندي دليل؛ ﴿خَلَقْنَا﴾ [الأعراف 181]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة 99]، ﴿مِنَّا﴾، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم 13] ﴿عِنْدَنَا﴾، كل هذه تدل على الجمع فنقول له: إن في قلبك لزيغًا؛ لأنك اتبعت المتشابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران 7]. ما الذي أعمى بصيرتك عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة 163]؟! هذا محكم، والإتيان بصيغة الجمع للتعظيم أمر وارد في اللغة العربية، حتى الناس بأنفسهم وهم بشر لا يستحقون من العظمة ما يستحقه الخالق يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع تعظيمًا لأنفسهم. (﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لأصحاب العقول) ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ هذه خاصة بأيوب وبأهله، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ هذه عامة يتذكر بها أصحاب العقول بأي شيء يتذكرون في هذه القصة؟ يتذكرون في هذه القصة بأن المصائب تكون على الرسل وعلى غيرهم، وبأن الشيطان قد يُسَلَّط على الرسول. يتذكرون بها؛ لأن الإنسان إذا لجأ إلى ربه ودعا ربه فإن الله يجيبه. يتذكرون بها؛ لأنه كلما اشتد الكرب فانتظر الفرج، قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنْ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرَ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (2803) من حديث ابن عباس.]]، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة 214] فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214] يعني: قريب من هذه الحال التي وصلت بالرسل إلى أن يقولوا: متى نصر الله يعني: يطلبونه شوقًا لا استبعادًا، ولكن شوقًا إليه كأنهم يقولون: يا رب، عجل لنا بالنصر، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214]. إذن ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ من أي ناحية؟ من أن البلاء يشمل الأنبياء. ثانيًا: أن الشيطان قد يُسَلَّط على الأنبياء. ثالثًا: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطرين إليه إذا صَدَق الإنسان في دعوته، فالله سبحانه وتعالى يجيب الدعوة، نسأل الله أن يرزقنا الصدق معه. رابعًا: أنه كلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج، فهذا أيوب لما اشتد به الأمر ولجأ إلى الله أجاب الله تعالى دعاءه. خامسًا: أن زوال كرب النبي أيوب عليه الصلاة والسلام كان على يده؛ لأن الله تعالى لم ينزل شفاء بدون سبب ظاهر، بل بسبب هو الذي يباشره، كيف؟ قيل له: (اضرب برجلك) فخرج الدواء، وقيل: (اغتسل) فعالج نفسه إذن هو الذي استخرج الدواء، وباشر العلاج فكان علاجه على يده باستخراج الدواء وبالعلاج وكيفية استعمال الدواء. (﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ هو حزمة من حشيش أو قضبان ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك وكان قد حلف ليضربنها مئة ضربة لإبطائها عليه يومًا ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص 44] بترك ضربها فأخذ مئة عود من الإذخِر أو غيره فضرب بها ضربة واحدة) هذه فتوى من الله عز وجل لأيوب أفتاه بها تسهيلًا عليه وعلى أهله، أشرنا قبل قليل إلى أنه ما أصيب بهذه المصيبة من قِبَل الشيطان مصيبة نفسية ومصيبة بدنية ظاهرة، أين ذهب أهله؟ شردوا ومن جملتهم زوجته التي كان ينبغي أن تبقى معه على السراء والضراء فحلف أن يضربها مئة مرة يجلدها مائة جلدة؛ لأنها أغضبته وتركته فلما شفاه الله عز وجل من المرض بقي عليه الآن أن يفي بيمينه، أن يَبَرَّ بيمينه؛ فيضرب زوجته مئة ضربة، مئة ضربة قد يكون فيها شيء من الاشمئزاز بالنسبة للزوجة ومن الإحراج بالنسبة له، فأفتاه الله تعالى هذه الفتوى قال: خذ بيدك ضغثًا فيه مئة شمراخ واضربها به مرة واحدة، ويكفي عن مئة ضربة، ففعل، أخذ بيده ضغثًا فضربها به ضربة واحدة، فصار ذلك برًّا بيمينه؛ ولهذا قال ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. أين مفعول ﴿فَاضْرِبْ﴾؟ محذوف، وحُذِفَ -والعلم عند الله- للستر؛ لأنه ما في القرآن أنه أُمِرَ بضرب الزوجة، ولكن جاء ذلك في القصص المعروفة عند بني إسرائيل، ليس المقصود أن نعرف عين المضروب، المقصود أن نعرف أن الضرب الذي كان قد حلف عليه يحصل بر فيه بأخذ هذا الضغث والضرب به. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أصل الحنث الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة 46] يعني: على الإثم العظيم، والمراد به هنا بالحنث ألا يَبَرَّ بيمينه وعدم البِرِّ بيمين أن يترك ما حلف على فعله أو يفعل ما حلف على تركه، هذا الحنث، حلف ليشترين كتابًا قال: والله لأشترين كتابًا ولم يشترِ، ما تقولون؟ * طلبة: حنث. * الشيخ: حنث بأيش؟ بترك ما حلف على فعله. حلف على ألا يبيع هذا الكتاب، قال: والله لا أبيع هذا الكتاب، فباعه، حنث بماذ؟ بفعل ما حلف على تركه. حلف ليشترين هذا الكتاب فاشتراه، ماذا نقول؟ بَرَّ بيمينه. حلف ألا يبيع هذا الكتاب فلم يبعْه أيضًا بَرَّ بيمينه. إذن موافقة اليمين بِرٌّ ومخالفته حنث. قال أهل العلم: يؤخذ من هذا أن عدم إبرار اليمين مكروه إلى الله؛ لأنه يُسَمَّى حِنْثًا، لكن من نعمة الله أنه رَخَّص لعباده بفعله، لكنهم إذا فعلوا كَفَّرُوا كفارة عن أيش؟ عن اليمين ولَّا عن الحنث؟ * طلبة: عن الحنث. * الشيخ: عن الحنث؛ لأنها لو كانت عن اليمين لكان مَنْ يحلف يُكَفِّر، لكنها عن الحنث؛ لأن الأصل الإثم في مخالفة اليمين، لكن من رحمة الله عز وجل أن الله أباح لنا الحنث وأن نُكَفِّر عنه؛ ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص 44] أي: وجدنا أيوب يعني: ألفينا ﴿صَابِرًا﴾، ما الذي نصب ﴿صَابِرًا﴾؟ (وجد) تنصب كم؟ * طلبة: مفعولين. * الشيخ: مفعولين: الأول الهاء في قوله: ﴿وَجَدْنَاهُ﴾، والثانية ﴿صَابِرًا﴾. صبر أيوب عليه الصلاة والسلام كان صبرًا على قَدَرِ الله، وكان صبرًا عن معصية الله، ما تَجَزَّع ولا سخط وكان صبرًا على طاعة الله، بماذا؟ كان صبرًا على أقدار الله، ظاهر؛ لأنه صبر على ما مَسَّه من الشيطان، وعن معصية الله؛ لأنه لم يتسخط، وعلى طاعة الله؛ لأنه لجأ إلى الله ودعا الله عز وجل فأجابه. أحيانًا يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي، فيما سبق إذا تَعَسَّرت الولادة يؤتى إلى الشخص ويُطْلَب منه أن يقرأ للحامل عند تَعَسُّر الولادة فيقرأ بماء ثم يذهبون به ويمسحون به ما حول المنطقة وتشرب منه الحامل فتضع بدون ألم، هذا شيء مُجَرَّب مشاهد، وهذا أهون بكثير من المعالجة بالأدوية الحسية المادية، فهو عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله، وطلب الشفاء منه، وهذا صبر على أيش؟ على طاعة الله، فحصل له أنواع الصبر كلها. قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب) (...) ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ صبر هذا الصبر العظيم؛ على المرض وفقد الأولاد وفقد الأهل، ومع ذلك ما نسي الله عز وجل لجأ إليه عند الشدائد. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ إعراب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أن نقول: ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماضٍ جامد، صح؟ ﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل، وهذا الفعل وشبهه يحتاج إلى شيئين إلى فاعل ومخصوص، فإن تقدَّم ما يدل على المخصوص استُغْنِي بما تقدم وإلا فإنه يُقَدَّر، وإن كان ظاهرًا فظاهر. فمثلًا هنا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ نقول: إن السياق يدل على المخصوص وحينئذ لا حاجة لتقديره، المعروف ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ من هو؟ أيوب، فلا حاجة للتقدير، لكن بعض النحويين يُقَدِّر ولو عُلِمَ؛ لأنه يرى أنه لا بد من ذكر الفاعل والمخصوص. فيقول المؤلف: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب)، أيوب هو المخصوص، و﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ هذه الجملة استئنافية تعليلية، تعليل للثناء على أيوب بأنه نعم العبد لأنه كان أوابًا أي رجاعًا إلى الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، قوله: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ حلف يضربها مئة ضربة، ضربها ضربة واحدة (...) الضربة الواحدة مئة عصا أم لا؟ * الشيخ: هي قضبان، مئة قضيب وقعت عليها دفعة واحدة. * الطالب: (...) مئة ضربة. * الشيخ: مئة ضربة. * الطالب: (...) تكرار.. * الشيخ: هذا حصل؛ لأن هذا بس كان متتابعًا والآن صار مجتمعًا. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- من ناحية صفة الصبر في أيوب هل نقول: إن كل نبي من الأنبياء يوجد فيه صفة بارزة أو نقول: (...) اجتمع له الكمال المطلق من الصفات البشرية (...) النبي عليه الصلاة والسلام أصبر الناس أصبر من أيوب، أو نقول: إن أيوب من جهة الصبر أصبر من النبي عليه الصلاة والسلام؟ * الشيخ: الفضل نوعان: فضل خاص وفضل مطلق ،فالفضل المطلق قد يوجد في المفضول صفة خاصة يتميز بها. * الطالب: على النبي. * الشيخ: حتى في الأنبياء، يكون أحد الأنبياء له صفة خاصة يتميز بها. * طالب: ﴿