تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمَا يَنظُرُ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴿١٥﴾
وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ في هذا أشد التهديد للمكذبين لرسول الله ﷺ، ولازم ذلك إثبات رسالته ﷺ، ووجهه أن الله توعَّد المكذبين له، ولولا أن رسالته حق لكان الوعيد عليه هو كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٧]. الله أكبر، شوفت الآيات، بهذه الشدة هذا الأسلوب الشديد للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ حتى لا يبقى به حياة، ﴿الْوَتِينَ﴾ عرق يتصل بالقلب لو قُطِعَ مات الإنسان فورًا.
﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، هذا وهو الرسول ﷺ، لو تقوَّل على الله كلمة واحدة لأخذه الله باليمين، فكيف بالذين يتقوَّلون على الله كلمات ولا يبالون أن يقولوا: قال الله وهو لم يقُل؟! ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله من ورعه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا إذا كان قد نُصَّ على تحريمه، وإلا تجده يقول: أكره هذا، أو: لا يعجبني، أو: لا يفعل أو: تركه أحبُّ إليَّ، أو ما أشبه ذلك، ولكن ما شاء الله كان إمامًا صار الناس يتداولون هذه الكلمات ويحللونها، هل إذا قال: لا يعجبني يعني التحريم أو يعني الكراهة؟
ثم بدأ الناس يتلقون كلامه كأنه كلام رسول، يحللونه؛ لأنه رحمه الله خاف الله، واتقى الله، فجعل الله لكلماته نورًا، بخلاف الآن اللي يقولون: ما شاء الله: الإسلام يحرم كذا وكذا، وإذا رأيته الإسلام يحلله، يمكن يوجبه بعض الأحيان، وهذا يقول: يُحرِّم، الإسلام يتكلم واحد مُعرَّض للخطأ باسم الإسلام، أنت لو قلت: أرى أنه حرام، قلنا: هذا رأيك، وممكن تخطئ وتصيب، أما أن تقول: الإسلام، وقال الإسلام، وفعل الإسلام، هذه خطيرة يا جماعة؛ لأن أعداء المسلمين يتآخذون مثل هذا، ويقولون: هذا الإسلام، وكانت تخالف الإسلام، أخذوا من هذا قدحًا في الإسلام، والإسلام بريء منه، لكن بعض الناس سبحان الله العظيم يجعل لنفسه منصبًا عاليًا فوق مستواه.
إذن نعود إلى هذا، نقول: في هذا إثبات رسالة النبي ﷺ، ووجهه أن الله توعد المكذبين له، ولو كانت غير رسول لكان الوعيد على منْ؟ عليه هو، والدليل قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: تسلية رسول الله ﷺ؛ لأنه إذا قيل له: سنهلك أعداءك سوف يتسلى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العذاب إذا أخذهم فإنه لن يرجع ولن يتأخر، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥].
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ لما كان الرسول ﷺ يتوعدهم بعذاب يوم القيامة سخروا من هذا ﴿