×

الصافات

الآية ٩٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]: إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يُعبد؛ لقوله: الذي خلقكم، فالخالق هو الذي يجب أن يُعبد، كيف تعبد مَنْ لم يخلقك وتدع من خلقك، أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟! ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولم يقل: اعبدوا الله إقامة للدليل عليهم بالربوبية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد مخلوقة لله؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية أو موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح، خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوقًا لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله؟! وفي هذه الآية رد على مَنْ؟ على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله سبحانه وتعالى شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا خلق. وفي الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله؛ لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة، وهو كذلك، فالإنسان في الواقع هو الذي يعمل، ويفعل، ويريد، ويختار، فإذا كان فيها رد على الطائفتين المنحرفتين فأي طائفة تؤيدها؟ تؤيد طائفة السنة والجماعة الذين قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار، وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففِعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف للعبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟