×

الصافات

الآيات ٦٨–٧٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ﴿٦٨﴾

إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ﴿٦٩﴾

فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴿٧٠﴾

ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ هل هم كانوا بالأول في غير الجحيم؟ * طالب: لا، في الجحيم. * الشيخ: كيف قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؟ * طالب: لأجل الاستقرار؛ يعني بعض الأكل كذلك في الجحيم، وبعضهم يقولون في التفسير؛ يعني يخرجون إلى الأبواب، ثم يرجعون إلى الأصل، إلى أصل الجحيم. * الشيخ: إي نعم، صحيح، بس ذكرنا وجهًا آخر. * طالب: أن (ثم) للترتيب الذكري. * الشيخ: أن (ثم) للترتيب الذكري، ولا يعني أنهم بعد أن يأكلوا يرجعون، وإنما يعني أنه ذُكِر مرجعهم بعد ذكر أكلهم، وهل في اللغة العربية ما يسمى بالترتيب الذكري دون المعنوي؟ * طالب: نعم. * الشيخ: شاهده؟ * طالب: قوله: إِنَّ مَــنْ سَـــادَ ثُمَّ سَـــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِــنْ بَــعْدِ ذَلِكَجَــدُّهُ * الشيخ: طيب ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ ما معنى ألفوا؟ * طالب: وجدوا. * الشيخ: وجدوا، ائت بشاهد من القرآن على أن الإلفاء بمعنى الوجود أو الوجدان. * طالب: (...) قوله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ هذه في أي سورة؟ * طالب: في سورة يوسف. * الشيخ: في سورة يوسف سبيل (...). قوله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. * يستفاد من هذه الآية ومن ما بعدها: يستفاد منها: أن شجرة الزقوم خبيثة المنبت؛ لقوله: ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، والخبيث المنبت يكون هو خبيثًا أيضًا؛ لأن العادة أن النبات يكون على حسب أرضه كما يكون على حسب مائه أيضًا. * ومن فوائدها: بيان قُدرة الله عز وجل، حيث خلق هذه الشجرة في وسط النار مع أن المعروف أن النار تحرق الأشجار، ولكن الله على كل شيء قدير، فها هي نار إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحرق الأجسام بلا شك، ولكن لما قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] لم تحرقه بل كانت بردًا وسلامًا عليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الشجرة تنتشر؛ إما أغصانها -كما قال المؤلف- أو أنواعها في النار كلها؛ لأن الله أخبر أن أهل النار يأكلون منها، ومعلوم أن النار دركات، بعضها أسفل من بعض، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الشجرة إما ذاتها ومنتشر أغصانها، وإما نوعها موجود في جميع النار. * ومن فوائد قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ بيان أن هذه الشجرة لها طلع ولكن طلعها أقبح ما يكون من الطلع؛ لأنه يشبه رؤوس الشياطين. * ومنها: أن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيين بـ(التقبيح)، فيُشبه الشيء بما يُستقبح نفسيًّا، وإن لم يكن معلومًا حسيًّا؛ لقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. * ومن فوائدها: أن رؤوس الشياطين مُستكرَهة مُستقبحة؛ لأنه شُبِّهَ بها القبيح، والتشبيه إلحاق الشيء بما هو أعلى منه في الصفة التي أُلْحِق به فيها؛ لأن المشبه دون المشبه به. * من فوائد الآية: إثبات أن للشياطين رؤوسًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، وهو كذلك، فإن الشياطين لها رؤوس. * ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن الشياطين والملائكة والجن هي قوى الشر، الملائكة قوى الخير، والشياطين والجن قُوى الشر، وليس هناك أجسام تُحَس، وجه الدلالة: أنه أثبت للشياطين رؤوسًا، ولا يمكن أن يكون هذا في الأمور المعنوية التي هي القوى. * ومن فوائدها: ضلال من يعتمد على العقل في إثبات الأشياء أو نفيها؛ لأن الاعتماد على العقل يؤدي إلى أن يرد الإنسان ما ثبت في الكتاب والسنة من أجل ما يدعي أنه عقل. ثم قال عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. * من فوائدها: إثبات أكلهم منها على سبيل التأكيد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الشيء المستبعَد أمام المخاطَب من أجل اطمئنان نفسه وإقراره به، أليس كذلك؟ ولهذا قال علماء البلاغة: إن المخاطَب له ثلاث حالات: ابتداء، وشك، وإنكار؛ ففي الابتداء لا يحسن أن تؤكد له الخبر بل تلقيه إليه غير مؤكد؛ لأنك إذا أكدته بدون سبب للتأكيد فقد يشك، يقول: لولا أن هذا الرجل كاذب ما ذهب يؤكد الخبر بدون سبب، فالفصاحة أن تلقيه إليه مجردًا من التوكيد، مثلًا إذا أردت أن تخبر بقدوم زيد، تقول: قدم زيد، إذا كنت تخاطب رجلًا خطاب ابتداء ليس عنده شك في قدومه ولا إنكار. الحال الثانية: أن يكون عند المخاطب شك في الأمر، فهنا يحسن أن يؤكد، ولكن لا يجب، فهذا الرجل الذي تخشى أن يكون شاكًّا في قدوم زيد لاستبعاده إياه يحسن عندما تخبره أنه قادم، يحسن أن تؤكده له فتقول: قد قدم زيد، أو: إن زيدًا قادم، هذا متى؟ مع الشك نؤكده بمؤكد على سبيل الاستحباب. الحال الثالثة: أن يكون مُنكِرًا، ففي هذه الحال يجب أن يُؤكَّد له الخبر، لماذا؟ من أجل أن يزول عنه الإنكار، ويطمئن إلى مدلول الخبر، كما لو كنت تخاطب شخصًا ينكر أن يكون فلان قدم البلد، فتقول له: لقد قدم. وإن رأيت أنه يحتاج إلى زيادة قلت: والله لقد قدم، وإن كنت تخشى أن يكون غير مقتنع فبعض العامة يقول: عليه الطلاق لقد قدم، إي نعم، لأن كثيرًا من الناس يؤمنون بالحلف بالطلاق أكثر مما يؤمنون بالحلف بالله عز وجل. بقي أن يقال: هذا باعتبار حال المخاطب؛ أي أنه يحسن توكيد الخبر أو تجريده من التأكيد، أو وجوب تأكيده باعتبار حال المخاطب، قد يكون التأكيد وعدمه باعتبار حال مدلول الخبر، إذا كان المدلول أمرًا هامًّا فإنه يؤكد حتى وإن كنت تخاطب من لا ينكر مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢]، وأشباه ذلك مما أقسم الله به على البعث وهو يخاطب المؤمنين، فهنا نقول: تأكيد هذا الخبر مع إقرار المخاطَب به؛ يُقصد بذلك بيان أهميته، وأنه أمر يجب أن يتأكد في قلب الإنسان، وأن يثبت فيه ويرسخ، واضح؟ قال أهل العلم -نبحث في البلاغة لأجل أن نستذكر ما مضى- قال بعضهم: وقد يُنَزَّل المقر منزلة المنكر لفعله فعل المنكر، مثل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦]، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ هل الموت مُتَردَّد فيه أو منكر؟ أبدًا، لا يتردد فيه ولا ينكره أي أحد من الناس، إذن فلماذا يؤكد؟ لأن المخاطب قد تكون حاله حال المنكر؛ لعدم استعداده للموت، فكأنه مُنكِر له، فيُؤكَّد له الخبر. هنا ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ نقول: هنا أكد الله عز وجل أنهم سيأكلون، فلماذا؟ لأن المقام مقام استبعاد للأكل، قد يستبعد الإنسان أن يأكل هؤلاء من هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم وطلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بـ(إن) و(اللام)، وأتى أيضًا بالجملة الاسمية الدالة على استمرار أكلهم. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يُعذِّب أهل النار بالأكل من هذه الشجرة بكونهم لا يشبعون؛ لقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، فلا يأكلون منها بقدر الضرورة كما يأكل المضطر الميتة بقدر الضرورة ولكن يأكلون أكلًا يملأ بطونهم، وكلما فرغ البطن قليلًا أكلوا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هذه الشجرة إذا أكلوها -والعياذ بالله- عطشوا، وطلبوا الماء، وطلبوه على طلب المضطر إليه بدليل قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف ٢٩] فهم يعطشون كثيرًا، ويسألون سؤال المضطر يستغيثون الله عز وجل، فإذا أُغِيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات ٦٧] يعني مع هذا الأكل القبيح المستكره المبتلى بمحبته يشربون عليه من الحميم الذي يخالطه، وقد سبق لنا أن هذا الحميم يُقطِّع أمعاءهم. * ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أن هؤلاء الذين في النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعِيدوا فيها، وهذا فيه زيادة تعذيبهم، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا انفتح له باب الأمل والرجاء، ثم عاد إلى الخيبة صار ذلك أشق وأشد عليه مما لو استمر في خيبته فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يذوقوا نعيمًا أبدًا؛ لأن مرجعهم ومآلهم إلى الجحيم، فلا يمكن أن يخرجوا منه، نسأل الله لنا ولكم السلامة. فلهذا أكدت بثلاثة مؤكدات. والوجه الثاني: تسلية النبي ﷺ؛ لأن كل ما سبق فيه التحدث عن كفار قريش، فأراد الله عز وجل أن يسلي رسوله ﷺ بأن قومك ليسوا أول من ضل، بل قد ضل قبلهم أكثر الأولين، ففيه تسلية لرسول الله ﷺ، وفيها تأكيد لخبر هؤلاء الأمم الماضية التي قد يشك في خبرها من يشك، كما أن فيه أيضًا زيادة تهديد لهؤلاء المكذبين؛ لأنه قال بعده: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وأكد أيضًا هذه الجملة بالوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها في ﴿