تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴿١٩﴾
وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴿٢٠﴾
هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ﴿٢١﴾
ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ﴿٢٣﴾
وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ﴿٢٤﴾
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات ١٨، ١٩].
﴿نَعَمْ﴾ ما إعرابها؟
* طالب: إعرابها؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...) مفعول به (...) مبتدأ.
* الشيخ: ما هو مبتدأ.
* طالب: حرف جواب.
* الشيخ: حرف جواب (...) وقفنا على؟
* طلبة: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾.
* الشيخ: على ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ طيب ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ ما المراد بـ﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾؟
* طالب: طريق الجحيم.
* الشيخ: طريق الجحيم، يعني الطريق الذي يُوصِل إلى الجحيم، وذلك يوم القيامة، نأخذ فوائد الآيات أظن:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات ١٨]
في هذه الآية الكريمة دليل على أهمية جواب هؤلاء الذين يتساءلون إذا ماتوا وكانوا ترابًا وعظامًا: أيُبعثون أو لا، ووجه ذلك أن الله أمر نبيه أمرًا خاصًّا بجوابهم، وقد ذكرنا فيما سبق أن الله إذا أمر نبيه بأمر خاص فإنه دليل على أهمية ذلك الأمر؛ لأن الأصل أن جميع القرآن قد أُمِرَ أن يبلغه الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، فإذا جاءت آية يقول الله فيها: قل، فهذا أمر خاص بتبليغها، فيدل على العناية بهذا الشيء وأنه ذو أهمية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الرد على شبهات أهل الباطل؛ لأن الله لم يقل: اتركهم، بل قال: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذِّبين بالبعث يُحشَرون يوم القيامة صاغرين؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾، وقد ذكرنا أثناء التفسير عدة آيات تدل على أنهم يُحشَرون يوم القيامة أذلةً كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥].
* ومن فوائد الآية: أن المؤمنين بذلك يُحشَرون يوم القيامة أعزة، ووجهه أنه إذا كان جزاء هؤلاء المكذبين أن يُحشَروا على وجه الصغار والذل، فإن العكس يكون بالعكس، فالجزاء من جنس العمل، فيحشر المؤمنون يوم القيامة أعزاء.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات ١٩] إلى آخر الآيات.
* يُستفاد من هذه الآيات أولًا: بيان قُدرة الله عز وجل، حيث تخرج الخلائق كلها بزجرة واحدة، هذه واحدة، وتخرج الخلائق كلها فورًا بدون تأخير، ففيه دليل على القدرة من وجهين:
الوجه الأول: عدم تكرار الأمر.
والوجه الثاني: سرعة الائتمار والامتثال لأمر الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يخرجون يوم القيامة فينظرون إما من نظر العين، أو من الانتظار، وأيًّا كان فإنه يدل على أنهم يخرجون إلى أمر غريب؛ لأنهم كانوا في الأول في قبورهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم يدل على أنه يخرجون إلى أمر لم يكونوا يألفونه؛ لأنهم كانوا بالأول في قبورهم ثم حشروا إلى شيء غريب لم يكونوا يعرفونه من قبل؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات ١٩].
* ومن فوائد الآيات أن هؤلاء المكذبين يدعون يوم القيامة بالويل والثبور والهلاك؛ لقولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات ٢٠] كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان ١٤].
* ومن فوائد الآيات: تحقق هذا القول، وأنه أمر واقع كالحاضر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ [الصافات ٢٠] فعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه.
* ومن فوائد الآيات: أن الناس يحشرون يوم القيامة فيجازون على أعمالهم، يؤخذ من قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، وتكون هذه النتيجة للخلائق أن يحشروا يوم القيامة وأن يجازوا على أعمالهم، وأن يكون هذا الجزاء نهائيًّا ليس وراءه عمل ولا دونه أجل؛ لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.
* ومن فوائد الآيات: أن يوم القيامة يوم فصل، أي حُكم بين الناس وتميز من بعضهم عن بعض؛ لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [الصافات ٢١].
* ومن فوائد الآيات أيضًا: تقرير هؤلاء المكذبين؛ لقوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات ٢١]، ووجه التقرير أن الإنسان إذا شاهد ما كَذَّب به سوف يقول لمن حمله على هذا التكذيب، أو وافقه عليه: شوف انظر إليه أنت، أنت تقول: إنه كذب ولا يقع، انظر إليه الآن واقع، فيكون في ذلك زيادة في التحسر والندم على عدم التصديق بهذا اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يوم القيامة يميز بعضهم من بعض، ويجمع بعض الأصناف والأشكال والنظراء إلى بعض؛ لقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢]، وهذا من الفصل الذي ذكر الله في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين لا ينفعهم اجتماعهم وحشر بعضهم إلى بعض كذا (...)؛ لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩].
في الدنيا إذا شاركك أحد في العذاب نفعك إما بأن يتحمل عنك جزءًا من هذا العذاب، وإما أن تتسلى به؛ لأن وقوع المصائب على غيرك تسليك وتساعدك على تحمل هذه المصيبة والصبر عليها؛ كما قالت الخنساء في أخيها صخر:
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
* ومن فوائد الآية الكريمة: إهانة هؤلاء المشركين بحشر أصنامهم للنار، وجه ذلك أن إهانة المعبود إهانة للعابد. وأنا أضرب لكم مثلًا: لو أن سيدًا تحته أرقَّاء، أو رجلًا تحته عائلة أُهين هذا الرجل الذي تحته العائلة، أو الرجل الذي تحته الأرقاء، فإن ذلك إهانة؟
* طالب: للعائلة.
* الشيخ: للعائلة وللأرقاء؛ لأنهم يقولون: هذا كبيرنا وعظيمنا الذي نعظمه، فإذا أُهين فإنه إهانة لنا وإن لم يكن إهانة حسية ولكنها إهانة نفسية معنوية، فتهان هذه الأصنام إهانة لعابديها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ذكر العموم وإن دخل فيه ما ليس فيه إذا بُين في موضع آخر.
ويتفرع على هذا أنه لا يُشترط في البيان مقارنته للمبين؛ لأن الذي يمتنع في البيان هو تأخيره عن وقت الحاجة، فإذا بُين في وقت الحاجة زال هذا المحظور، وهذا قد بُين في آيات كثيرة من القرآن بأن المؤمنين لا يدخلون النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١]، وكل الآيات التي في وعد المؤمنين والمتقين تمنع من دخول هؤلاء في النار، وإن كانوا يعبدون من دون الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين المشركين يُحشَرون إلى طريق جهنم، كما أنهم في الدنيا اختاروا طريق أهل النار فإنهم في الآخرة يُجازون بمثل ذلك، فيدلون إلى طريق الجحيم، ويصدون عن طريق أهل النعيم.
* * *
ثم قال عز وجل: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات ٢٤] قال: (احبسوهم عند الصراط)، الأمر من الله عز وجل، والخطاب للملائكة فيما يظهر؛ لأن الملائكة هي التي تدبر الخلائق بأمر الله، فيقال للملائكة: قفوا هؤلاء المكذبين المشركين بالله، ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ يعني وقِّفُوهم أي: احبسوهم، ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (عن جميع أقوالهم وأفعالهم)، وكلمة ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ إما أن تكون كما قال المؤلف عامة، يعني أنهم مسؤولون عن أقوالهم وأعمالهم وشركهم وانحرافهم وعن كل أحوالهم، أو أنها مبينة بقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات ٢٥]، فيكون المسؤول عنه شيئًا واحدًا، وهي أنهم يُوقَفون ويُسألون هذا السؤال توبيخًا وتقريعًا كما قال المؤلف: (ويقال لهم توبيخًا ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ لا ينصر بعضكم بعضًا) فالآية في الحقيقة محتمِلة لمعنيين:
المعنى الأول: أنكم مسؤولون عن أي شيء؟
* طلبة: عن الأحوال.
* الشيخ: عن كل الأحوال والأعمال، أو أنكم مسؤولون هذا السؤال، وهو ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾، وأيًّا كان ففي الآية توبيخ وتهكم بهم، حيث يقال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ اليوم كنتم في الدنيا تتناصرون، والذي ينصر هم العابدون ينصرون هذه الأصنام كما مر علينا في آخر سورة يس ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٧٥] فالعابدون ينتصرون للآلهة كما قال أبو سفيان قبل أن يسلم في غزوة أُحُد، قال: «اعْلُ هُبَل»[[أخرجه البخاري (٤٠٤٣) من حديث البراء.]]. يفتخر به وينتصر له، فيقال يوم القيامة ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾، يعني: أي شيء لكم يمنعكم من التناصر؟ والجواب واضح يفيده قوله: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات ٢٦] منقادون أذلة، وهذه الجملة المصدرة بـ﴿بَلْ﴾ تفيد الانتقال من أسلوب إلى آخر، يعني أنهم لا يتناصرون؛ لأنهم اليوم مستسلمون هم وأصنامهم أذلة صاغرون.
قال المؤلف رحمه الله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ (لا ينصر بعضكم بعضًا كحالكم في الدنيا) ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ المراد به التوبيخ والتهكم، يعني أين نصر بعضكم بعضًا الذي كان في الدنيا، أفلا تتناصرون اليوم؟ والجواب: لا يمكن أن يتناصروا؛ لأنهم أذلاء مستسلمون ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: (منقادون) لحكم الله فيهم جزاءً، ولحكم الله تعالى فيهم قدرًا.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات ٢٧] يعني ﴿أََقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ أي اتجه بعضهم إلى بعض، وجملة ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ حال من الفاعل والمجرور؛ الفاعل في بعضهم، والمجرور في (على بعض) أقبلوا يتساءلون يسأل بعضهم بعضًا تلاومًا وتخاصمًا، فصاروا بعد أن كانوا في الدنيا على وفاق وأخلة صاروا في الآخرة أعداء، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧].
﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يسأل بعضهم بعضًا على وجه التوبيخ والإنكار، يقول: (يتخاصمون).
(﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع منهم للمُتَّبَعِيَن: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات ٢٨] عن الجهة التي كنا نأمنكم منها لحلفكم أنكم على الحق فصدقناكم واتبعناكم المعنى أنكم أضللتمونا) صار بعضهم يسأل بعضًا، الأتباع يسألون التابعين، والمتبوعون يسألون الأتباع، وكلهم يسأل بعضهم بعضًا؛ لأنهم وقعوا في حيرة، يقول بعضهم لبعض، وهم الأتباع، يقولون: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ﴾: ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للذين اتبعوا للمتبوعين، ﴿كُنْتُمْ﴾ يعني في الدنيا ﴿تَأْتُونَنَا﴾ يعني في خطابكم لنا ودعوتكم إيانا ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾، (عن) للمجاوزة، يعني تأتوننا إتيانًا صادرًا عن اليمين، فما المراد باليمين؟
قيل: إن المراد باليمين الحلف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٤] جمع يمين، فمعنى ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ عن الحلف، أي أن المتبوعين يحلفون للأتباع أنهم على حق، وهذا كقول الله تعالى عن الشيطان: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١].
وقيل: إن المراد باليمين الخير، من اليُمن، وهو التفاؤل، يعني أنكم تعدوننا خيرًا وتقولون: اتبعونا، فإنكم إن اتبعتمونا نلتم العزة والغلبة فتعدوننا بالخير وأنتم كاذبون علينا.
وقيل: المراد باليمين القوة كما في قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٣] أي: بالقوة، وقيل باليد اليمنى. إذن ﴿بِالْيَمِينِ﴾ فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول؟
* الطلبة: الحلف.
* الشيخ: الحلف، الثاني؟
* الطلبة: الخير.
* الشيخ: الخير، الثالث؟
* الطلبة: القوة.
* الشيخ: القوة، والحقيقة أن كل هذه الوجوه واقعة من المتبوعين، فهم يقسمون للأتباع أنهم على حق وهم يتكلمون معهم عن طريق القوة؛ لأنهم متبوعون، وهم كذلك يعدونهم بالخير، يقول: اتبعونا تكن لكم العزة والغلبة وما أشبه ذلك، فالآية شاملة لهذه الوجوه الثلاثة، يعني يقول الأتباع للمتبوعين: إنكم تأتوننا عن هذه الجهة اليمين؛ الحلف، أو القوة، أو الخير، المؤلف رحمه الله يقول في تفسيرها: عن الجهة التي كنا نأمنكم بها، وكلامه هذا صالح للوجوه الثلاثة؛ لأن الناس يؤمَنون إذا حلفوا، ويؤمَنون إذا وعدوا بالخير، ويؤمَنون إذا كانوا أقوياء؛ لأن الغالب أن الضعيف يرى أن القوي على حق، وأنه بلغ هذا المركز أو هذه المرتبة لكونه محقًّا.
قال الله تعالى: (﴿قَالُوا﴾ أي) أيش؟
* طالب: (المتَّبَعون).
* الشيخ: أي المتَّبَعون عندكم المَتْبُوعُون؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هي على كل حال (المَتْبُوعون) أوضح، التعبير بـ(المَتْبُوعون) أوضح من (المُتَّبَعون)؛ لأن (المُتَّبَعون) قد (...) الإنسان المُتَّبِعُون يعني الأتباع، والواقع أن الذي قال: هم المَتْبُوعون (﴿قَالُوا﴾ أي المتَّبَعُون لهم: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات ٢٩] وإنما يصدق الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا) يعني قالوا أي: المَتْبُوعُون لهؤلاء الأتباع: ﴿بَلْ﴾ الإضراب هنا لإبطال ما ادعوه في قولهم: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ يعني بل لم نأتكم عن اليمين ولكنكم ﴿لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ولو كنتم مؤمنين لصدق قولكم: إنا أضللناكم، أما أنكم غير مؤمنين من الأصل فالجناية منا عليكم، ولَّا منكم على أنفسكم؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: (...) قال المَتْبُوعُون: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم هم ادعوا، أي الأتباع، ادعوا أن هؤلاء المتبوعين هم الذين أضلوهم، أضلوهم بالقوة، أو بوعد الخير، أو باليمين أو ما أشبه ذلك.
فقال لهم المتبِعون: ﴿بَلْ﴾ يعني لا حقيقة لما قلتم؛ لأن (بل) للإبطال ﴿لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أصلًا حتى نضلكم، والإضلال إنما يصدق لو ورد على مؤمن فأضله مَن أضله، أما لو كان غير مؤمن أصلًا فالجناية منه على نفسه، وليست الجناية من غيره عليه، ولهذا يقول المؤلف رحمه الله، يقول: (﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وإنما يصدق الإضلال منا) متى؟
(أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا) تبرَّأ المَتْبُوعون الآن من أيش؟ من الأتباع، وجعلوا اللوم على مَن؟ على الأتباع أنفسهم، قالوا كما يقول الشيطان: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم ٢٢] نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
هؤلاء المتبوعون يقولون كما قال الشيطان، يقولون للأتباع: أنتم الذين أضللتم أنفسكم، أما نحن فلم نضلكم؛ لأننا لم نخاطب قومًا مؤمنين فأضللناهم بعد إيمانهم، إنما نخاطب قومًا انقادوا إلى الكفر باختيارهم، فاللوم عليهم لأنفسهم، أما نحن فلا، وهذا مبين لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦].
* طالب: استثنينا في الدرس الماضي من قوله تعالى (...) بعض المشركين يعبدون غير هؤلاء الذين يعبدون الشمس والقمر؟
* الشيخ: تحشر يوم القيامة مع عابديها، وتلقى في النار، يعني نفس القمر والشمس كذلك، وكل ما يعبد من دون الله ما يُستثنى من ذلك، إلا من سبقت له الحسنى فقط.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هم لا شك أن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لكن هؤلاء قد أتتهم الرسل وبينت لهم، وفضلوا هؤلاء الضلال على الرسل، ولهذا قال الله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٣٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم هذا والله أعلم فيما إذا لم يكن هناك دعوة رسل، أما مع دعوة الرسل فهؤلاء عندهم الرسل التي تأتي بالآيات التي لا يقدر عليها البشر ويبينوا لهم الحق ثم يقولون: لا نقبل.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ٢٧ - ٣٧].
* الشيخ: الحمد لله رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات٢٤، ٢٥].
قوله تعالى: ﴿قِفُوهُمْ﴾ ما معناه؟
* طالب: أوقفوهم.
* الشيخ: أوقفوهم أي: احبسوهم واقفين على الصراط، الجملة في قوله: ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ محلها مما قبلها؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا؛ لأن ما قبلها مبتدأ حتى تأتي بالخبر.
* الطالب: حال من فاعل ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ [الصافات 27].
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...) جار ومجرور.
* الشيخ: لماذا لا نقول: استئنافية لبيان السبب في إيقافهم، الجملة استئنافية لبيان السبب في إيقافهم.
* طالب: ما يصلح هذا؟
* الشيخ: لا، ما يصلح، قوله: ﴿