تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، ولقد سبقت كلمتنا؛ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بيَّنها هنا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله عز وجل في الأزل.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ الجملة هنا فيها عدة مؤكدات، وهي؟
* الطالب: لام القسم، و(قد).
* الشيخ: لام القسم، و(قد)؟
* الطالب: تأكيد لعبادنا بالمرسلين.
* الشيخ: لا.
* طالب: ضمير الفصل.
* الشيخ: لا.
* طالب: القسم المقدر.
* الشيخ: والقسم المقدر، ما دام تقول: لام القسم معناه لا بد من قسم، فإذن التقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه ففيها هذه المؤكدات: القسم واللام و(قد).
وقوله: ﴿كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة؛ وهي عبودية الرسالة، والعبودية عبودية الخلق لله عز وجل عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق؛ ما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، عبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مُكلَّفون بما لم يكلَّف به غيرهم؛ مُكلَّفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن، لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ إشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس.
ومن تأمل ما حصل للرسول ﷺ من منابذة قومه له وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾.
﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، قال المؤلف: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ بالنصر، ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ وهي ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أو هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ) فـ(أو) هنا للترديد؛ يعني هل الكلمة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾؟ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان التفسير متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، وهي جزء من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ الأول: (إنَّ)، والثاني: اللام في ﴿لَهُمُ﴾، والثالث: (هم)؛ لأن (هم) ضمير فصل. إذن هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
* الطالب: (إن) واللام و(هم) ضمير الفصل.
* الشيخ: و(هم) ضمير الفصل.
ثم هي أيضًا من حيث بنيتها جملة تأكيدية بل جملة توكيدية، توكيدية أحسن من تأكيدية؛ لأن هي لغة القرآن: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١] هي جملة توكيدية؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
طيب ذكرنا أن (إنَّ) للتوكيد، وهذا واضح، واللام للتوكيد، كذلك واضح، (هم) ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الصفة والخبر، كم هذه؟ ثلاثة. عدها لنا أنت.
* طالب: الحصر.
* الشيخ: يفيد الحصر نعم.
* الطالب: والصفة.
* الشيخ: لا.
* الطالب: والفصل (...).
* الشيخ: أنا أريد أن تسمع.
* طالب: تفيد التوكيد والحصر والفصل.
* الشيخ: التوكيد والحصر والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل.
مثال يتضح به الكلام؛ إذا قلت: زيد الفاضل، فكلمة (الفاضل) في هذا السياق يحتمل أن تكون صفة، فيتطلع الإنسان إلى الخبر، زيد الفاضل ويش فيه؟ تقول: قائم مثلًا، زيد الفاضل قائم، فالفاضل هنا أيش؟ صفة، فإذا قلت: زيد الفاضل وحذفت (قائم) صار الكلام محتملًا أن تكون (الفاضل) صفة والخبر يأتي بعد، أو أن تكون (الفاضل) هي الخبر، فإذا قلت: زيد هو (الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبر المبتدأ.
إذن ففصل (هو) الضمير بين الصفة وبين الخبر حيث تعين أن يكون ما بعده خبرًا لا صفة، كذلك إذا قلت: (زيد هو الفاضل) صار أوكد من قولك: زيد الفاضل؛ لأنك تقول: (هو) تؤكد.
ثالثًا: أنك إذا قلت: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غيره، فيحصر الفضل فيه.
إذن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب؛ لا مبتدأ، ولا خبر، ولا شيء أبدًا، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة.
طيب هنا ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ نقول: الهاء اسم (إن)، واللام للتوكيد، و(هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ خبر (إن).
طيب يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ يعني: لا غيرهم، ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ مِن قِبَلِ مَن؟ مِن قِبَلِ اللهِ الذين ينصرهم الله عز وجل بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود؛ ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي ﷺ، وفي الأحزاب أرسل الله على أعدائهم الريح الشديدة ومعها جنود ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء وبين الريح التي تزلزلهم، حتى لم يقرَّ لهم قرارٌ فهربوا، طيب إذن منصورون مِن قِبَلِ الله بما يرسله من الآيات أو من الملائكة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ الجند هم المدافعون، عمن؟ هم جند له الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه: جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ جند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه، فصاروا جندا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون؛ لكونهم جند الله، والله سبحانه وتعالى له الغلبة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، فجند الله الذين يذبُّون عن شريعته لا بد أن تكون لهم الغلبة، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (إن) واللام وضمير الفصل.
طيب هنا ﴿الْغَالِبُونَ﴾ كما تعلمون اسم فاعل مِن: غَلَبَ، وغلَبَ فعلٌ متعدٍّ أو قاصرٌ؟ متعدٍّ، الفعل المتعدي لا بد فيه من فاعل ومفعول، (الغالِب) هنا اسم فاعل من فعلٍ متعدٍّ، فلا بد فيه من فاعل ومفعول، مَن الفاعل؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: لا، الجند؛ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لكن غالبون بأمر الله لا شك. المفعول محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (لغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة).
أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد لكن الآن لا بد من الكلام عليه، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ فبيَّن الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: أن جنده المؤمنون الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكَّد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون.
فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكَّد من الرب عز وجل مطابق للواقع أو أن في الواقع ما يخالفه؟
إذا قلت: مطابق للواقع ورد علينا في أُحُدٍ؛ كانت الغلبة للمشركين، في الأنبياء من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، في أهل الخير من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]، فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا أن نقول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأغلب الأكثر؛ فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم، واقرأ الآيات في الرسل تجد أن الله يقول: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤] وأهلك الآخرين، هذا انتصار لا شك.
أو يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا بالجهاد، فمن أمروا بالجهاد فإن الله قد تكفَّل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم، حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.
الوجه الثالث أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون، فالأجوبة الآن ثلاثة طيب.
فيه وجه رابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص؛ يعني: انتصار ما جاؤوا به وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاؤوا به من الشريعة.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع أبدًا، لا يمكن، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، أقول: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، الأخ ما الفرق بين العبارتين؟
* طالب: من الكتاب ومن السنة؟
* الشيخ: إي، ويش الفرق بينهما؟ أنا قلت: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا يوجد في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.
* الطالب: لأنه قد يكون في السنة أحاديث غير صحيحة.
* الشيخ: غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول: صحيح، في القرآن ما نحتاج نقول: صحيح. لأيش؟ لأنه منقول بالتواتر كله صحيح ما فيه إشكال.
إذن لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة الصحيحة شيء صريح يخالف الواقع، فإن وُجِدَ ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما ألَّا يكون مخالفة، لكن المخالفة من وهمك بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح.
فمثلًا كثير من العلماء -وليس أكثر العلماء- يقولون: إن الأرض ليست كروية؛ لأن الله يقول ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٧ - ٢٠]، والسطحية تنافي الكروية، فإذن من قال: إن الأرض كروية فقد خالف صريح القرآن؛ لأنه الله يقول: ﴿سُطِحَتْ﴾، فأنكروا أن تكون الأرض كروية بناء على أيش؟ على فهمهم أن القرآن صريح في ذلك.
ومن العلماء من قال: إنها كروية، والواقع يشهد لقول هؤلاء؛ لأنه ما يمكن الآن أن نقول: إنها غير كروية أبدًا؛ إذ إنك لو قمت من مطار جدة متجهًا إلى الغرب في طائرة، أين يكون منتهاك؟ ترجع إلى جدة.
إذن هي كروية، وأين تروح؟ فالشاهد الواقع المحسوس يشهد لهذا، نقول: إذن لا بد أن يكون القرآن الذي زعموا أنه صريح في أنها ليست كروية لا بد أن يكون على خلاف ما فهموا، ولَّا لا؟ هل يمكن أن يقول قائل: لا بد أن يكون الواقع المحسوس كذبًا؟ ما يمكن.
لو قال: إن الواقع المحسوس كذب لرماه الناس بالحجارة فضلًا عن حجارة الأفواه؛ يعني: ما يرمونه بالسب والشتم باللسان بل بالحجارة: هذا مجنون، حينئذٍ يتعين علينا أي شيء؟ أن نقول: إن القرآن ليس صريحًا في هذا، فتُحْمَل السطحية فيه على ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض، فكل ما تحتاج إليه من الأرض إليه فهو سطح؛ يعني: ما جعلت الأرض مُسَطَّحة مثل ظهر الجبل أو مثل سفح الجبل؛ يعني صعودًا، أبدًا، كل ما تحتاج إليه فهو مُسَطَّح، تواسيه وتصب عليه الماء وتزرع، مُسَطَّح.
ثم نقول: في القرآن ما يدل على أنها كروية؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٤]، فيفهم من قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أنها الآن غير ممدودة، ولهذا جاء في الحديث «أنه إذا كان يوم القيامة فإن الله يمد الأرض مدَّ الأديم »[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١)، وأحمد (٣٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٣٤٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، الأديم؛ يعني: الجلد، تُمَدُّ هكذا، تكون سطحًا واحدًا.
فيه أيضًا دليل آخر مثل قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، التكوير: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يدور على الأرض، فإذا كان هذا يدور فالذي يدور عليه يكون مستديرًا ولا بد.
على كل حال المهم القاعدة عندنا: لا يمكن أبدًا أن يوجد في الواقع المحسوس ما يخالف صريح المنقول، أبدًا لا يمكن، كما أنه لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فالأول نخاطب بها أهل المادة الجملة الأولى، والثانية نخاطب بها أهل العقول الذين يدعون أنهم أصحاب العقول؛ كالمتكلمين وغيرهم، نقول: ليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المعقول، مَن نخاطب بهذا؟ أهل الكلام وغيرهم ممن يتكلمون في العقائد بالمعقولات.
طيب ليس في صريح القرآن ولا صريح صحيح السنة ما يخالف المحسوس، نخاطب به أصحاب المادة؛ يعني المادييين الذين ليس عندهم إلا ما يشاهدونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم.
وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ محمولًا على أحد المحامل الأربعة التي سمعتم، ويتم البحث فيها -إن شاء الله- غدًا.
* طالب: في مثل هذه (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وهذه الضمائر إذا كان ليس من ضمير الفصل، والضمير لا يوصف ولا يوصف فيه، وإذا كان ضمير الفصل موصوفًا به يحتمل التوصيف، كذلك ضمير الفصل إذا يختزل ضمير فصل آخر؟
* الشيخ: ما يوصف بها، الآن (الصافون) ما هي صفة لضمير الفصل (الصافون) خبر.
* الطالب: وإذا كان الخبر (...) ﴿