×

الصافات

الآيات ١٤٦–١٤٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ﴿١٤٦﴾

وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿١٤٧﴾

فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ﴿١٤٨﴾

وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات ١٤٦]؛ لأن هذه الشجرة تظله وتبرد عليه، وهي كما أسلفنا لينة الملمس، ويقال: إن الذباب لا يقع عليها، والله قادر على أن يظله بغمامة مثلًا، وقادر على أن يبقيه في الشمس في العراء ولا يتأثر، لكن الله عز وجل يبين لعباده أن الأشياء تكون بأسبابها، ومر علينا أمس في أصول الفقه بيان أن الأسباب مؤثرة لكن لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من أسباب التأثير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل السابقين إلى قوم مخصوصين؛ لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ واستدل بهذه الآية بعض المتأخرين على إثبات الإحصاء السكاني؛ لأنه قال: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فأحصاهم عددًا، مع أنه لو قال: أرسلناه إلى قومه كفى، لكن عدهم عدًّا، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الإحصاء. ولا شك أن الإحصاء إذا كان فيه فائدة فإنه داخل في عمومات النصوص الدالة على وجود ما فيه فائدة، أما إذا لم يكن فيه فائدة وإنما يكون تطويلًا للمدة، وإضاعة للوقت، وإتلافًا للمال بما ينفق عليه فإنه كغيره مما لا فائدة منه لا يكون مطلوبًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنجى قوم يونس بعد أن عاينوا العذاب؛ لقوله: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في أن الله يخص قوم يونس بذلك؛ بأن تقبل منهم التوبة بعد نزول العذاب، فالجواب أن الحكمة من هذا أن نبيهم لم يصبر حتى تتم إقامة الحجة عليهم، بل خرج منهم مغاضبًا قبل أن يؤذَن له، فلم تتم إقامة الحجة، فكان لهم شبه عذر في تأخير العذاب عنهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان وإن نجا من الأسباب المهلكات فلن ينجو من الموت، بل لا بد منه؛ طال الزمن أم قصر؛ لقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. * ومن فوائدها: أن الإيمان سبب لطول الحياة؛ لقوله: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾، ولا شك أن الإيمان سبب لطول الحياة؛ لأن نوحًا قال لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح ٤] فبين لهم أنه إذا حصل منهم الإيمان والتوبة غفر الله لهم، وأخرهم إلى أجل مسمى، وإن لم يفعلوا أهلكهم الله. * ومن فوائد الآيات كلها: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى؛ لكونه يضيف الأفعال إلى نفسه، بماذا؟ بضمير الجمع. ومن المعلوم أن الله واحد. وقد اشتبه هذا على النصارى عليهم لعنة الله، اشتبه عليهم فقالوا بتعدد الآلهة لجمع الضمير الذي يضاف إلى الله عز وجل، وهذا من اتباع المتشابه، فإنهم اتبعوا هذا المتشابه وأعرضوا عن الصريح في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣] .