تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴿١٤٠﴾
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
﴿إِذْ أَبَقَ﴾ قال المؤلف: (هرب ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة المملوءة حين غاضبَ قومه) إلى آخره، قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ يحتمل أن تكون (إذ) متعلقة بالمرسلين، أي: لمن المرسلين في هذه الحال، أي أن إباقه لم يسلبه الرسالة، ويحتمل أنها متعلقة بمحذوف وتقديره: اذكر إذ أبق إلى الفلك المشحون، وهذا أحسن أن تكون متعلقة بمحذوف؛ لأنه لما أثبت رسالته بين حالًا من حالاته، وهو إباقه عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فنقول: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ ليست متعلقة بالمرسلين؛ لأن رسالته كانت قبل أن يأبق، لكن متعلقة بمحذوف، التقدير: اذكر إذ أبق، والإباق هو الهرب، وكأنه عليه الصلاة السلام خرج مسرعًا لأنه خرج مغاضبًا لقومه حين لم يؤمنوا ولم ينزل بهم العذاب.
قال: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، الفلك يعني السفينة، وهي مراكب الماء، وقد أنعم الله على العباد بالفلك تجري في البحر بأمره تحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، وامتن الله بها على العباد وعظمت منته في عصرنا الحاضر، فإن الفلك في عصرنا الحاضر ليس كالفلك فيما سبق، الفلك فيما سبق كان على الشراع والهواء، وكان له معوقات، وكان فيه مخاطر عظيمة، أما الفلك الآن فعلى العكس من ذلك، ومنَّ الله أيضًا بالفلك على عباده في عصرنا الحاضر بأن تنوعت هذه الفلك فصارت فلكًا مائيًّا وفلكًا بريًّا وفلكًا هوائيًّا، الفلك الهوائي الطائرات، والبري السيارات، والمائي السفن، وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف ١٢، ١٣].
وقوله: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال المؤلف: (السفينة المملوءة) يعني ﴿الْمَشْحُونِ﴾ بمعنى المملوء من الركاب، فركب البحر (مغاضبًا لقومه لما لم ينزل بهم العذاب الذي وعدهم به، فركب السفينة فوقفت في لجة البحر، فقال الملاحون: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة) هكذا قال المؤلف رحمه الله: إن السفينة وقفت في لجة البحر وإن وقوفها كان بسبب إباق يونس فقال الملاحون، وهم قواد السفينة: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة، ولكن ما ذكره المؤلف ليس عليه دليل، وهو من الإسرائيليات البعيدة، بل إن هذه السفينة المشحونة لما كانت في عرض البحر وهي مشحونة مملوءة وصارت في لجة البحر ثقل الحمل، وإذا ثقل الحمل فلا بد من أحد أمرين؛ إما أن يخفف الحمل وإما أن يغرق الجميع، ولا شك أن تخفيف الحمل أولى من غرق الجميع؛ لأنه إذا خفف الحمل نجا من بقي، وإذا بقي الحمل على ما هو عليه غرق الجميع، وبقاء البعض أولى من هلاك الكل، وهذا أمر عقلي اقترعوا يعني ليس إلقاء بعضهم في البحر أولى من إلقاء الآخر، فلا سبيل حينئذ إلى التخلص من هذه المشكلة إلا بالقرعة فاقترعوا.
﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات ١٤١] اقترعوا أيهم الذي يلقى، ومن المعلوم أننا إذا علمنا من يلقى علمنا من يبقى، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿