×

الصافات

الآيات ١٢–١٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴿١٢﴾

وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ﴿١٣﴾

وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴿١٤﴾

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآيات من الفوائد: * أولًا: إثبات العجب لله عز وجل على قراءة ضمِّ التاء، وهو من صفات الله الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكلُّ شيء يتعلق بمشيئته فهو من الصفات الفعلية عند أهل العلم. فإذا قال قائل: ما الذي يعلمنا أنه يتعلق بمشيئته؟ فالجواب أن كل صِفَةٍ عُلِّقَت على سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن الأسباب حادثة، وما ترتب على الحادث فإنه حادث، وعلى هذا فنقول: الرضا من الصفات الفعلية؛ لأن له سببًا، والغضب، والكراهة، والسَّخَط، وما أشبهها كذا؟ عرفنا طريق أهل السنة الجماعة في مثل هذه الصفة؛ وأنه إثباتها لله على الوجه اللائق به، لا على وجه القصور والنقص. * ومن فوائدها أيضًا: عُلُوِّ منزلة الرسول ﷺ على قراءة الفتح؛ حيث اعتبر الله عز وجل تَعَجبه تعجبًا يُنَوَّه عنه في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، ومعلوم أن الذي يُنَوَّه عن أحواله عظيم عند مَنْ نَوَّه عنه بخلاف من لا يُؤْبَه له، ولا يُهْتَم به؛ ولهذا في أوساط الناس إذا غَضِبَ الملك ليس كغضب سائر الناس، تجده مثلًا يُقال: (تَحَدَّث الملك فغضب) لكن لو يأتي واحد من السوقة، من عامة الناس، لو تَفَجَّرت عيونه من الغضب ما تحدث الناس عنه. فإذن تَحَدُّث الله عن عَجَبِ الرسول عليه الصلاة والسلام يدل على عُلُوِّ منزلته عند الله وعلى عِظَم شأنه ﷺ. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن هؤلاء القوم الذين أنكروا الباطل زادوا في طغيانهم فصاروا يسخرون من أهل الحق، الذين أنكروا الحق زادوا في طغيانهم حتى صاروا يسخرون من الحق وأهل الحق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، يعني: مع تعجبك من أحوالهم هم يسخرون مما جئت به ويسخرون بك، وهذه عادة أعداء الرسل يَسْخَرون من الرسل ومما جاؤوا به ومما يفعلونه أيضًا؛ قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود ٣٨، ٣٩]. * من هذه الفائدة نأخذ فائدة أخرى: وهو أنه يجب على الدعاة إلى الحق أن يصبروا على ما ينالهم من الناس من السخرية؛ لأن أعداء الرسل أكثر من أولياء الرسل. كم أعداء الرسل من بني آدم؟ تسع مئة وتسعة وتسعين بالألف، فهم أكثر من أولياء الرسل؛ فالدعاة إلى الحق يجب عليهم الصبر إذا سمعوا مَنْ يسخر به سواء كان هؤلاء الساخرون من الكفار أو من أولياء الكفار؛ لأنه يوجد من المؤمنين أو بالأصح يوجد من المسلمين من هو من أولياء الكافرين. فالواجب على الدعاة أن يصبروا؛ لأن الرسل الذين هم أهل الحق وقادة الحق وأئمة الحق قد سخر الناس منهم، فكيف بك أنت؟! فالواجب عليك أن تصبر، الواجب على كل داعية أن يصبر على ما يَحْصُل له من السخرية، وليعلم أن العاقبة للمتقين. * ومن فوائد الآية الكريمة: عُتُوُّ هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ لكونهم إذا ذُكِّروا لا يَذْكُرون ولا يتعظون؛ وذلك لقسوة قلوبهم وعتوهم، نسأل الله والعافية. عكس المؤمنين الذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًّا وعميانًا. * ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء المكذبين إذا رأوا الآية الدالة على صدق الرسل ازدادوا سخرية وترفُّعًا؛ ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾، وهذا فوق السخرية السابقة اللي قال: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، بل هؤلاء إذا رأوا آية، وكان المفروض إذا رأوا الآيات أن يستسلموا، ولكنهم على العكس من ذلك إذا رأوا الآية يستسخرون، والعجب من قوم النبي ﷺ الذين كذبوه أنهم قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، شوف العتو والعياذ بالله، كان ينبغي أن يقولوا: اللهم إن كان هذا الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا له، أما أن يقولوا هكذا فهذا أكبر دليل على أنهم -والعياذ بالله- طاغون معتدون. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعادين للرسل يصفون ما جاؤوا به بالصفات القبيحة تنفيرًا للناس منهم، يؤخذ من قوله: ﴿