×

يس

الآيات ٨١–٨٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٨١﴾

إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾

أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس ٨١]. * هذه الآية من فوائدها: الاستدلال بالأشد على الأخف؛ لأن الله تعالى استدل بخلق السماوات والأرض أو بقدرته على خلق السماوات والأرض على قدرته على إحياء العظام وهي رميم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته، حيث خلق هذه السماوات والأرض بما فيهما من المصالح والمنافع والأجرام الثابتة وغير الثابتة، وهذا دليل على كمال قدرته سبحانه وتعالى، وفي كم يوم خلق السماوات والأرض؟ في ستة أيام ومع عظمتها وسعتها وكبرها قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] أي: من تعب وإعياء. * من فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الفلاسفة الذين يقولون: بقِدَم الأفلاك، وجه ذلك: أنه قال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ أي: أوجدها من العدم، ومعلوم أن الْمُوجَد ليس بقديم، والقديم عندهم هو الأزلي الذي لا بداية له، فالسماوات والأرض كانت معدومة، ثم أُوجِدت بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأما من قال بقدم الأفلاك، وأنه لم تزل ولا تزال هذه الطبيعة فإنه ضال لا يعلم عن هذا شيئًا؛ لأنه بنى الأمر على غير دليل عقلي ولا نقلي بل إن الدليل العقلي والنقلي يدل على إمكان حدوث هذه الأفلاك، وأنها حادثة. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل نفسه في الأمر الْمُحقَّق المتقرِّر؛ لقوله: ﴿بَلَى﴾؛ إذ قد يقول قائل: إن إجابة المتكلم نفسه لا معنى لها؛ لأن إجابته دعوى أو تقرير لدعوى ادَّعاها فيُقال: إذا كان الأمر ثابتًا واقعًا فإن إجابته نفسه لا تأتي بشيء جديد سوى أنه يقرر ما كان واقعًا معلومًا للمخاطب؛ ولهذا قال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس ٨١]. * وفي هذه الآية فائدة نحوية: وهي أن جواب الاستفهام المقرون بالنفي إذا أُريد إثباته يقال فيه: بلى، ولا يقال: نعم؛ لأنك لو أجبت بـ(نعم) لكان ذلك تقريرًا للمنفي؛ يعني تقريرًا لنفي المنفي، لو قلت: أليس زيد بقائم؟ فقلت: نعم. يعني قررت النفي ليس بقائم، فإن قلت: بلى، فقد أثبت القيام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق وصف الله عز وجل الذي هو متصف به أزلًا وأبدًا؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس ٨١] فهو موصوف بالخلق من قبل أن يخلق؛ لأن صفة الخلق أزلية والمخلوق حادث فهو عز وجل متصف بالخلق؛ ولهذا قلنا: إن النسبة في قوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ أظهر من كونها للمبالغة. * من فوائد الآية الكريمة: وصف الله تعالى بالعلم الأزلي؛ لقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾، ولا شك أن الله تعالى موصوف بالعلم أزلًا وأبدًا، فإنه لم يزل ولا يزال عالمًا، لم يسبق علمه جهل، ولا (...) نسيان كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه ٥٢]. ثم قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. * من فوائد هذه الآية: الاستدلال بعموم قدرته عز وجل وتمامها على قدرته على إحياء الموتى. * ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى التامة التي لا يضاهيها ولا يقاربها قدرة؛ لأنه إذا أراد شيئًا لم يتكلف لإحضار المواد أو غيرها مما يتكون به هذا الشيء وإنما يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس ٨٢]، وإرادة الله سبحانه وتعالى -كما قال أهل العلم- تنقسم إلى: شرعية وكونية؛ فالشرعية هي التي بمعنى المحبة، والكونية هي التي بمعنى المشيئة، والفرْق بينهما من حيث الأثر أن الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، هذا واحد. والثاني: أن المراد فيها قد يكون محبوبًا لله، وقد يكون غير محبوب له، أما الإرادة الشرعية فقد يقع فيها المراد وقد لا يقع، ولا يكون المراد فيها إلا محبوبًا لله. فإذا قال لك قائل: هل الله يريد الكفر؟ فقل له: أما شرعًا فلا، وأما كونًا فنعم. ولو قال لك قائل: هل الله يريد الإيمان؟ تقول: نعم، يريده شرعًا وقدرًا إن وقع، إن كان واقعًا فقد أراده قدرًا وإلا إذا لم يقع فلا نعلم هل أراده قدرًا أو لا، بل نقول: إنه الآن لم يرده قدرًا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (...). قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: بيان قدرة الله عز وجل، وأنه إذا أراد شيئًا أي شيء يكون فإنما يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. * ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، وسبق لنا في التفسير أن إرادة الله تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية، وبينَّا الفرق بينهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. * ومن فوائدها: أن كلام الله عز وجل يكون بحرف؛ لقوله: ﴿كُنْ﴾، فإن ﴿كُنْ﴾ كلمة مكونة من حرفين، وإثبات أنه بصوت؛ لقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فهذا خطاب مُوجَّه لما أراده الله، وهو يقتضي أن يكون هذا المراد سامعًا لهذا القول، ولا سماع إلا بصوت، فيكون في الآية رد على قول الأشاعرة في كلام الله عز وجل؛ حيث يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن ما يُسمع من الأصوات والحروف فهو عبارة عن كلام الله، ويرون أن هذا المسموع مخلوق؛ ولهذا قال بعض المحققين منهم أو المنصفين منهم: إنه في الحقيقة لا فرق بيننا وبين المعتزلة في كلام الله؛ لأننا متفقون على أن ما بين دفتي المصحف فهو مخلوق، فإذا كانوا متفقين على هذا فإن قول المعتزلة قد يكون خيرًا من قولهم؛ لأن المعتزلة يقولون: إن ما بين دفتي المصحف كلام الله، كلهم يقولون: إنه مخلوق، لكن المعتزلة يقولون: إنه كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه عبارة عن كلام الله فإضافته إلى الله على رأي الأشعرية مجاز لا حقيقة. على كل حال في الآية رد على الأشعرية في تفسيرهم لكلام الله عز وجل، وحقيقة الأمر أنهم لا يُثبتون الكلام؛ لأنهم إذا جعلوا الكلام هو المعنى القائم بالنفس فكأنما جعلوا الكلام هو العِلْم؛ لأن العلم هو المعنى القائم بالنفس، أما الكلام والقول فهو أمر زائد على ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل إذا وُجِّه لشيء فإن هذا الشيء يكون كما أمر؛ لقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فيكون على ما أمر الله به بالعين والوصف، فإذا أراد الله إيجاد شيء قال: ﴿كُنْ﴾ فكان على حسب ما أراده الله عز وجل. ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس ٨٣]. * في الآية الكريمة من الفوائد: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب، ويؤخذ من قوله: ﴿