×

يس

الآية ٧٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾

قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩]. * من فوائد هذه الآيات: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا﴾ يعني الجواب على هذا المعترض؛ بيان قوة الإقناع في إقامة الحجة من كلام الله عز وجل؛ يعني أن أقوى ما يسوق الحجج ويبينها هو كلام الله، وهو كذلك؛ لأن كلام الله عز وجل أبلغ الكلام وأحسنه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] فحديث الله عز وجل لا شك أنه أصدق الحديث وأتمه وأحسنه في الإقناع وإقامة الحجة. * من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأشد على إمكان الأخف؛ لقوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩] فقد استدل بالأشد على إمكان الأخف، ما هو الأشد فيما نحن بصدده؟ الأشد إحياؤها أول مرة، والأخف الإعادة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمستدل المناظِر أن يأتي بالشيء الذي يُقر به خصمه من أجل أن تقوم عليه الحجة، كيف ذلك؟ لأنه قال: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والخصم هنا هل ينكر أن الله أنشأها أول مرة؟ لا، لا ينكر، فينبغي أن تأتي بالشيء الذي يقر به خصمك لتقيم الحجة عليه بإقراره، وهذا أدب من آداب المناظرة؛ لأنه أقرب إلى الإقناع وله نظائر؛ منها أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ناظَر الذي حاجَّه في ربه فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] فعدل إبراهيم عن ذلك وقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، وهذا يقر به الخصم فأتِ بها من المغرب، وهذا لا يمكن للخصم أن يقوم به؛ فالحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يأتي خصمه من الوِجهة التي يُقر بها حتى يقيم عليه الحجة. * من فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بإنشاء هذه العظام لأول مرة؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق هذه العظام ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] مع أن الذباب ليس فيه العظام القوية الصلبة، فإذا كانوا لا يقدرون على ذلك فهم على ما هو أعظم أعجز. * ومن فوائد الآية الكريمة: عِلْم الله سبحانه وتعالى بكل خلق، كذا؟ هل سبق لنا في التفسير هل الخلق هنا بمعنى المخلوق أو بمعنى الفعل؟ ذكرنا أنه يحتمل الأمرين لكنه احتمال الفعل أكثر؛ يعني كل خلق فالله عليم به، ومن المعلوم أن العالم بالخلق عالم بالمخلوق كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]. * إذن يستفاد من ذلك: عموم عِلْم الله سبحانه وتعالى بكل خلق؛ أي بكل صنع يصنعه مما نتصور ومما لا نتصور، وبكل مخلوق؛ لأن العالم بالخلق عالم بالمخلوق. ثم قال تعالى: ﴿