تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٧٦﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس ٧٦] أي: لا يوقعك في الحزن، والحزن هو الندم والهم لما مضى، وضده الخوف؛ فإنه الهم لما يستقبل، ما الذي قالوه؟ قالوا أشياء كثيرة، قالوا مثلًا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، وهذا طعن في الألوهية، وقالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣]، وهذا طعن في الرسالة، وقالوا: إن محمدًا ﷺ مجنون وشاعر وكاهن وساحر، وهذا أيضًا عيب في شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن المعلوم أن الإنسان بشرٌ سوف يتأثر إذا صُودِمَت دعوته في لبِّها وأصلها وقيل: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، الإنسان إذا صودم قوله الفقهي -مثلًا- يحس في نفسه بلغط، لكن إذا كان سيهدم أصله يكون أشد وأعظم، وإذا عيب عيبًا ذاتيًّا يكون أشد وأشد، ولهذا يُسَلِّي الله نبيه محمدًا ﷺ في مثل التوجيهات.
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس ٧٦] الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الذين يقولون ما يقولون في رسول الله ﷺ وما جاء به، وحالهم أنهم مهددون بماذا؟ بعلم الله عز وجل بما يسرون وما يعلنون؛ ما يسرونه فيما بينهم وما يعلنونه للناس، ما يسرونه في أنفسهم وما يبدونه لغيرهم، فعندنا إسراران؛ إسرار الإنسان ما في نفسه بحيث لا يعلم به أحد، الإسرار الثاني إسرار الأمر بينهم فلا يخرج لغيرهم.
ونضرب لهذا مثلًا: هؤلاء قوم عددهم عشرة يتحدثون فيما بينهم بأمر من الأمور لكن لا يخرج إلى غيرهم، هذا إسرار ولَّا لا؟ إسرار، أحد هؤلاء العشرة أضمر في نفسه شيئًا لم يخبر به زملاءه، هذا أيضًا إسرار.
فقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يشمل هذا وهذا؛ أي: ما أسره كل إنسان في نفسه وما أسروه فيما بينهم دون أن يعلنوه لغيرهم، وفي هذا من التهديد ما هو ظاهر، فالله تعالى يعلم ما يسرونه وما يعلنونه وسوف يجازيهم على ذلك يوم القيامة.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس ٧٧، ٧٨]، قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾، ﴿يَرَ﴾ بمعنى يعلم، ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ أي: أولم يعلم؟ والاستفهام هنا للتقرير والمراد به التوبيخ، والواو حرف عطف، والمعطوف عليه إما مقدر بعد الهمزة، وإما ما سبق، وعلى الثاني تكون الهمزة منقولة عن مكانها، وأصلها على القول الثاني: وألم ير.
وقوله: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ [يس ٧٧] قال المؤلف: (وهو العاص بن وائل)، وعلى رأي المؤلف تكون (أل) هنا للعهد الذهني، ولكن الصحيح أن (أل) للجنس؛ أي جنس الإنسان، ومنه العاص بن وائل؛ لأن الأصل في (أل) أنها لبيان الجنس، هذا الأصل فيها، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] يعني: جنس الإنسان، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٣].
ووجه كون ذلك هو الأصل أن العهد يحصرها في شيء معين، والأصل بقاء اللفظ على عمومه، فإذا قال قائل ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾: إنه فلان بن فلان، نقول: الله عز وجل قال: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ وهو شامل، إذن فالصحيح أنه عام، لكن نجعل العاص بن وائل نجعله مثالًا لمن قال هذا القول أو لمن رأى هذا الرأي.
(﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مَنِي إلى أن صيرناه شديدًا قويًّا، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ شديد الخصومة لنا، ﴿مُبِينٌ﴾ بيَّنها في نفي البعث).
الإنسان خُلِق من نطفة، وهو هذا المني المهين كما وصفه الله عز وجل، هذا الماء المهين الذي خلق منه الإنسان، إذا رجع الإنسان إليه -إلى أصله- وجد أنه كالنخامة ليس بشيء، ثم بعد هذا ينشئه الله عز وجل حتى يعطيه الفصاحة والبلاغة وقوة الحجة بعد أن يتربى بنعم الله في بطن أمه، ثم في صدر أمه من الثديين، ثم بما أنعم الله عليه من أنواع الطعام والشراب يقوى ويشتد عقله وفكره وذهنه، فيكون خصيمًا.
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ أي: شديد الخصومة؛ لأن (فعيل) بمعنى (فاعل) لكن تدل على المبالغة.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بين الذي يظهر أنها، ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى مظهر؛ يعني: مظهر لخصومته، لكونه شديد الخصومة قويها، وسيأتي -إن شاء الله- بيان نوع من جدل الإنسان وخصومته.
﴿