تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴿٥﴾
لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ ﴿٦﴾
تنزيل العزيز الرحيم.
قال: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ متعلق بـ﴿تَنْزِيلَ﴾ لتنذر اللام، هذه تسمى لام التعليل، والفعل بعدها منصوب بها، على مذهب منصوب باللام ولا بأن؟
* طالب: باللام.
* الشيخ: باللام، وعلى مذهب البصريين منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام، وعلى كل حال فهي تحتاج إلى متعلق، اللام ﴿لِتُنْذِرَ﴾ تحتاج إلى متعلق، فأين متعلقها؟ قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ يعني تنزيل الرحمن الرحيم ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يعني إنما نزل ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]. تنذر.
قال العلماء: إن الإنذار هو الإخطار المقرون بالتخويف، أو المتضمن للتخويف، فالإنسان مثلًا يأتي إلى قومه يصيح بهم: العدو العدو، يُقال: هذا منذر ونذير؛ فالنذير عن شيء يخوف فهو إعلام متضمن للتخويف، هذا القرآن أنزله الله عز وجل ليُنذر النبي ﷺ به قومًا ما أُنذر آباؤهم؛ أي لم يُنذروا في زمن الفترة، وعلى هذا فـ﴿مَا﴾ نافية يعني لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم؛ أي لم ينذروا، لم يخوفوا لكن في زمن الفترة، وأما قبل فقد أُنذروا بواسطة إسماعيل بن إبراهيم، فإنه مُرسَل إلى العرب إلى قومه، وبعد ذلك لم ينذر هؤلاء.
قال بعض المعربين الذين يجمعون الأقوال صحت أو ما صحت، أي أنهم يقولون أي احتمال قالوا: ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة أي لتنذر قومًا الذي أنذره آباؤهم، فيجعلون ﴿مَا﴾ موصولة، ويجعلون العائد محذوفًا تقديره الذي أنذره آباؤهم؛ أي لتنذرهم الذي أُنذره آباؤهم، ولكن هذا وإن كان محتملًا من قِبل اللفظ لكنه بعيد من جهة المعنى؛ لأن الآيات الكثيرة المتعددة تدل على أن قريشًا الذين بعث فيهم الرسول ﷺ لم ينذر آباؤهم، ومنه قوله تعالى في سورة (الم تنزيل)، السجدة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة ٣] وهذا صريح في أن ﴿مَا﴾ هنا للنفي لا غير ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس ٦] في زمن الفترة.
﴿فَهُمْ﴾ أي القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] عن الإيمان والرشد غافلون؛ لأنهم ما أتاهم نذير، ومعلوم أن النذر تُوجِب حياة القلوب والانتباه؛ ولهذا تجد الإنسان نفسَه، إذا لم يأتِه واعظ يغفل، وتكثر به الغفلة، فإذا أتاه واعظ فكأنما أيقظه من نوم، هؤلاء لما تطاول عليهم الأمد، ولم يأتهم نذير غفلوا، وكأنهم ما خُلِقوا لعبادة الله، وجعلوا لهم أصنامًا يعبدونها من دون الله، ويركعون لها ويسجدون وينذرون ويوفون.
﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦] لعدم من يوقظهم، ولكن مِن هؤلاء مَنْ عنده عِلْم من الرسالة، من هؤلاء الذين في زمن الفترة من عنده عِلْم من الرسالة لكنه عاند، وبقي على ما كان عليه آباؤه كالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار، فإن الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالنار نعلم علم اليقين أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، ولولا ذلك ما كانوا من أهل النار، فأهل الفترة نوعان: نوع علمنا بشهادة النبي ﷺ أنه قد بلغتهم الرسالة لحكم الرسول ﷺ عليهم بأنهم من أهل النار، وآخرون لا ندري عنهم شيئًا؛ فالواجب علينا أن نتوقف في أمرهم، وأن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة بتكاليف الله أعلم بها، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
* في الآية الكريمة فوائد: أولًا: بيان أن هذا القرآن الذي أعجز البشر لم يكن بدعًا من لسانهم، وأنه من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم. يشير إلى هذا قوله ﴿يس﴾، ولهذا لا تأتي هذه الحروف الهجائية في أول السورة إلا وجدتَ بعدها ذكر القرآن في الغالب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء المعَظَّم، ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون مُعَظَّمًا باعتبار المقسِم به؛ فالذين يحلفون باللات والعُزَّى يحلفون بِمُعظَّم لا بعظيم؛ لأنه مُعظَّم عندهم لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يُقسمون بالله وآياته يحلفون بعظيم بِمُعَظَّم في قلوبهم وهو عظيم في نفسه. القرآن الكريم عظيم في نفسه، ولَّا لا؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة اللي ذكرناها؛ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ٢].
* ومن فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى أقسم عليها وأكدها زيادةً على القسم بـ(إن) واللام، ومنها ثبوت رسالة النبي ﷺ، فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسل، وأن ثمة رسلًا غير محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩]؛ يعني لست أول رسول فإنه عليه الصلاة والسلام قد سبقه رسل من قبله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ من الشرع فهو الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤].
وفيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل من عند الله، الآيات الكريمة هي آيات متعددة؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥].
* ومن فوائد الآيات: أن القرآن كلام الله، كيف ذلك؟
* طالب: قوله ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥].
* الشيخ: وجهه؟
* الطالب: (...) كان منزلًا (...)، قائم بذاته أو قائم بغيره.
* الشيخ: نعم، والكلام؟
* الطالب: قائم بغيره.
* الشيخ: قائم بغيره، فيكون؟
* الطالب: غير مخلوق.
* الشيخ: غير مخلوق، يكون كلام الله غير مخلوق.
* إذن يستفاد منها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
* ومن فوائد الآيات إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾، والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة كلها دلت على علو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر، وهو الْحُكْم.
* ومن فوائد الآيات: العزيز في بعض معانيها، وهو الغالب.
* ومن فوائد الآيات: إنذار المخالفين لهذا القرآن، وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأنه إذا قيل مثلًا: جاء هذا من عزيز، ويش يدل عليه؟ على إنذار مَنْ خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنَزَّل؛ لأنه نزل من عزيز.
* ومن فوائد الآيات: أن القرآن، بل إن الشرع كله من آثار رحمة الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥].
فإن قلت: أين الرحمة في قطْع يد السارق، وفي رجْم الزاني الْمُحصَن، وفي قتل القاتل، وما أشبه ذلك؟
فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًّا، قطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وبغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة يُكفَّر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من الفوضى، وهذه رحمة ولَّا لا؟ رحمة ما فيه شك أن هذه رحمة، وكذلك نقول في بقية الحدود والقصاص: إنه من رحمة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الرسول ﷺ مُنذِر؛ أي مُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فإن قلت: وهل هو مُبَشِّر؟ الجواب: نعم، مُبَشِّر، لكن هنا ذكر الإنذار دون البشارة، والجواب على ذلك أن يُقال: إما لأن المقام يقتضي ذلك؛ لأنه يُخاطِب قومًا طاغين، فالأليق في حقهم الإنذار والتخويف؛ لأنهم مخالفون وطاغون، وإما أن يقال: إن هذا من باب ذكر أحد المتضايفين أو المتقابلين استغناءً بذكره عن ذِكْر الآخر كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مرسل إلى العرب خاصة. من الذين ما أنذر آباؤهم؟
* طلبة: العرب.
* الشيخ: العرب إذن اليهود والنصارى ما أُرسل إليهم؛ لأنه أنذر آباؤهم.
* طالب: في الآيات الأخرى..
* طالب آخر: قومًا نكرة.
* الشيخ: إي، ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نكرة موصوفة. إذن نقول: إن الآيات الأخرى تدل على عموم رسالته، مثل قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨]، ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، وكقوله ﷺ: «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري، واللفظ له (٤٣٨)، ومسلم بنحوه (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]. والنصوص في هذا كثيرة متوافرة، ومن كذبها فقد كذَّب رسالته إلى العرب أيضًا؛ لأن الجنس واحد، ولكن قد يُقال: لماذا خص العرب؟
فيقال: خصهم لأمرين؛ الأول: أنه منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] والثاني: أنه باشر دعوتهم بنفسه، وهدى الله العرب على يديه قبل موته، ثم انتشرت رسالته في الآفاق.
وقد ذكر ابن كثير رحمه الله هنا قاعدة أشرنا إليها من قبل، وهي أن ذِكْر بعض أفراد العام بحكم يوافقه لا يقتضي التخصيص كما ذكر ذلك أهل الأصول كالشنقيطي في تفسيره وغيرهم، وأن هذا هو رأي الجمهور، وهو الحق، أن ذكر بعض أفراد العام في حكم لا يقتضي تخصيصها إذا كان يُطابِق حكم العام، فإذا قلت مثلًا: أكْرِم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا وهو منهم؛ فإنه لا يقتضي تخصيص الإكرام به؛ لأن الحكم هنا موافق للحكم العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس تخصيصًا له، واضح؟ ذكرنا هذا في أي مناسبة؟
* طالب: في باب التيمم.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: في قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا»[[أخرجه البخاري (٤٣٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ومسلم (٥٢١/٣)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وجاء في بعض الروايات أنها التربة.
* الشيخ: تربتها؟
* الطالب: طهورًا.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فكون النبي ﷺ ذكر التربة فلا يكفي أنه لا يصح التيمم بغيره.
* الشيخ: تمام، صح، وكذلك؟
* الطالب: في الصلاة (...) بين السجدتين في تحريك الأصبع، هنا قول الرسول في التشهد لا يقتضي (...).
* الشيخ: نعم، في الصلاة، وذكرناها أيضًا في الحلي عند قوله في الرقة: فِي مِئَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ. قلنا: هذا لا يقتضي أن الحلي لا تجب فيها الزكاة؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحُكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص.
* ومن فوائد الآيات: سب هؤلاء الذين غفلوا عن الرسالات كقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٦]، وأن الغفلة عن البحث عن الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول: فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يُذَم، عن البحث في أحكام الزكاة وهو محتاج لذلك نقول: إنه يُذم؛ ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرْض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها عليه فرض عين.
وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية؛ ولهذا يحسن أن نستحضر هذا الأمر، أننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نُثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرج البخاري (٦٥٠٢) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه..» الحديث. ]].
وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة لا في مجالس الذكر والعلم، ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان مثلًا يراجع الكتاب ولكنه ما يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يُفوِّت علينا خيرًا كثيرًا؛ لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرؤه وبما نراجعه (...)
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس ٥- ٦]. قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ فيها قراءتان الأخ؟ (...)
أظن ما ذكرت (...).
لله عز وجل؛ لأن اللام للتعليل، إذن أضيفوها إليها؛ لأن أظن آخر ما أخذنا من الفوائد هي الآية هذه، يعني ما أخذنا سواها.
* فتضاف إلى الفوائد: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾.