تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾
عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٤﴾
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنك ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] وهذا أنسب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣].
إذن فنقول: الوجه الثاني في إعراب ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] أنها خبر ثان لـ(إن). وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس ٤] قال: أي طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى.
﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاط﴾ (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ لأن فِعالًا تأتي بمعنى مفعول كثيرًا؛ كقولهم: بِناء وغِراس وفِراش بمعنى مبني، مغروس، مفروش، صِراط (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي مصروط، والصَّرْط المرور بسرعة، هذا الصَّرْط، الصَّرْط المرور بسرعة، ومنه قولهم: صرط اللقمة أي: ابتلعها بسرعة، وفي اللغة العامية عندنا نقول: زرط وهي لغة عربية، صراط فيها سراط بالسين، وزراط بالزاي، كلها لغة عربية.
الصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا، يتحمل طوائف يعبرون عليه، قالوا: وأيضًا من صفاته أن يكون مستويًا ليس فيه طلوع ولا نزول، و﴿مُسْتَقِيم﴾ صفة له مؤكدة؛ يعني أنه لا اعوجاج فيه.
ولا شك أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صراط مستقيم؛ لأنه طريق واسع يسع كل الأمة منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن يضيع، صراط واسع أيضًا، لا يمكن أبدًا أن يضيق عن الأحكام الشرعية، كل حادثة تنزل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى يوم القيامة لا بد أن يوجد فيها حل لمشكلتها إن كانت مشكلة فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك نقول: إن هذا الشرط في القرآن والسنة كامل لا يحتاج إلى تكميل، وأيضًا واسع لا يمكن أن يضيق بأي جزء أو بأي جزئية تقع إلى يوم القيامة.
إذن ما فيه شيء مشكل في الشريعة ولَّا لا؟ لكن الإشكال إنما يأتي من قِبَل الناس؛ إما لقصور في الفهم، أو لتقصير في طلب العلم والهدى، أو لأشياء رانت على قلوبهم وأظلمتها حتى لا تُبصِر الحق؛ يعني قد يكون الإنسان غير مُقصِّر ولا قاصر، عنده فهم قوي، وعنده آلة قوية وعلم، لكن يكون على قلبه ذنوب تحول بينه وبين رؤية الصواب؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا أشكل عليه مسألة من المسائل بعد المراجعة والتتبع لكلام أهل العلم يُكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو الله به الخطايا فيكون القلب مستنيرًا، وربما يستنبط هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥ - ١٠٦].
ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين ١٣ - ١٤]، فالذنوب منعت القلوب أن ترى أحقية هذا الكتاب حتى قال القائل: إنها أساطير الأولين.
فالمهم أنَّا نقول: إن هذا الدين صراط مستقيم واسع، يسع جميع الناس إذا دخلوه، واسع يشمل جميع أحكام الحوادث والنوازل منذ بُعث الرسول ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ولكن الإشكال الذي يكون إما من قصورنا أو تقصيرنا، أو من أمور رانت على القلوب فلا ترى الحق (...)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١، ٢] ما معنى قوله يس؟ (...)
بالقسم وغيره، تأكيد بالقسم في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ وغيره؛ يعني بذلك إن واللام رد لقول الكفار له لستَ مُرسلًا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣].
إذن فالكلام مطابِق لمقتضى الحال؛ لأنه يُخاطِب المنكِر وقد سبق لنا في البلاغة أنه إذا خُوطِب المنكِر فإنه يجب أن يؤكد له الخبر؛ يعني يقول علماء البلاغة: للمخاطب ثلاث مراتب: أن يكون منكِرًا، وأن يكون مترددًا، وألا يكون في ذهنه شيء لا إنكار ولا تردد، قالوا: فإن كان منكرًا وجب تأكيد الخبر له، يجب أن يؤكد الخبر له، وإن كان مترددًا حسن أن يؤكَّد له الخبر، وإن لم يكن في ذهنه شيء فإنه يُلْقى إليه الخبر غير مؤكد، هذا هو الأصل.
إذا كنت تخاطب إنسانًا ليس في ذهنه شيئًا عن مدلول الخبر فألقِ الخبر إليه غير مؤكد، تقول: زيد قائم، إذا كنتَ تخاطب مترددًا في صحة الخبر فأكِّده له وجوبًا ولَّا لا؟ استحسانًا، إذا كنت تخاطب مُنكرًا فإنه يجب أن تؤكد له الخبر هذا، هو الأصل.
وقد يُحذف التوكيد في موضع التوكيد، وقد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تُعرَف من السياق، هنا الكفار يقولون: لست مرسلًا، فكان تأكيد خبر الرسالة لهم واجبًا؛ يعني مما تُوجِبه البلاغة، والوجوب هنا ليس الوجوب التكليفي الذي يأثم بتركه، بل الوجوب من حيث البلاغة.
قال: ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي القرآن ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ .
و﴿تَنْزِيلَ﴾ مصدر (نَزَّل، يُنَزِّل)، والقرآن مُنَزَّل ومُنْزل؛ مُنَزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أُنزِل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريج بتنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القرآن نزول المطر، أحيانًا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩] فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: نزلنا وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: أنزلنا.
وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: (في ملكه)؛ يعني الغالب في ملكه الذي لا يُغلَب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ؛ عِزَّة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة، ما هي؟
* طالب: عزة القدْر، عزة الامتناع، عزة القهر.
* الشيخ: نعم، عزة القدْر؛ بمعنى أنه ذو قدْر عظيم رفيع، عزة القهر بمعنى أنه قاهِر غالب، عزة الامتناع بأنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم:
وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ
فهو عز وجل عزيز ممتنع أن يناله السوء. ومنه الأرض العَزَاز لقوتها وشدتها. إذن فقول المؤلف: (العزيز في ملكه) فيه قصور.
قال: ﴿الرَّحِيمِ﴾ بخلْقِه، وهنا نقول: إن الرحيم عامة؛ لأنها لم تُقيَّد، فالمراد به الرحمة العامة، فهو سبحانه وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل والصحة والأولاد والمال والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس ٥] بخلقه، وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
﴿الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رَحِم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة؛ الحياة القلبية والبدنية والفردية والاجتماعية، ففيه إشارة -كما قلت- بل فيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه، (رحيم) إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى.
قال: (خبر مبتدأ مقدر) ويش يعني بخبر مبتدأ مقدر؟ ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالرفع أي القرآن؛ يعني التقدير القرآن تنزيل العزيز الرحيم. في قراءة سبعية: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف؛ يعني نُزِّل