×

يس

الآية ٤٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴿٤٠﴾

لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ ﴿يَنْبَغِي﴾ بمعنى يُمْكن، والمؤلف يقول: (يَسْهُل ويصِحُّ)، لكن الأَوْلى أن نقول: بمعنى يُمْكن؛ يعني لا يمكن للشمس أن تدرك القمر، وقد مرَّ علينا أنَّه إذا جاءت كلمة (لا ينبغي) أو (ما ينبغي) في القرآن فهي بمعنى الممتنع غايةَ الامتناعِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢] يعني أنَّ ذلك مستحيلٌ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]؛ أي إنَّ ذلك مستحيلٌ. إذَنْ ﴿يَنْبَغِي﴾ (...)، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾ أصلها: الشمسُ لا ينبغي لها. لكن قدَّمَ النفيَ ليكون المنفيُّ هو الجملة الاسمية برأسها كُلُّها، قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن أن تُدرك القمر فتجتمع معه في الليل، مَثَلًا إذا غابت لا يمكن أن تخرج في زمن الليل، فإذا قدَّرنا أنها تعود الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ وتخرج الساعةَ الثانيةَ عَشْرةَ، بين غروبها وطلوعها اثنتا عشرة ساعة، لا يمكن أن تطلع في الساعة الثامنة فيكون بين غروبها وطلوعها ثماني ساعات؛ لأن هذا خلافُ التقدير الذي قدَّره الله عز وجل لها والذي جَعَلَها تسير عليه، لماذا؟ لتمام قدرة الله تعالى ونظام هذا الكون، وأنَّه لا يمكن أنْ يختلف ولا يضطرب، لكن إذا جاء يوم القيامة فإنَّه يُجمع الشمسُ والقمرُ ويختلُّ نظام الفَلَك، بل كل النظام يختلف؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. كذلك قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يعني: الليل لا يسبق النهار، بل لا يأتي إلا بعده. هنا قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ كأنَّ الليل هو الذي يمكن أنْ يسبق النهارَ، فنفى الله عز وجل أنْ يسبق الليلُ النهارَ. قيل: المراد أنَّ الليل لا يأتي قبل انتهاء النهار، فيكون الله عز وجل ذكر الشروقَ في قوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن للشمس أنْ تطلع في الليل، ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ لا يمكن للَّيل أن يأتي في زمن النهار، فإذا قدَّرنا أنَّ الشمس تغرب في الساعة الثانية عشرة فلا يمكن أن تغرب الساعة التاسعة مثلًا؛ لأنها لو غربت الساعة التاسعة لسَبَقَ الليلُ النهارَ ولو في بعض أجزائه. وقيل: المعنى ﴿لَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا الليل يحلُّ محلَّ النهار فيتوالى ليلتانِ سواءً. والمعنى صحيحٌ على كلا القولين؛ فلا يمكن للَّيل أن يأتي وقد بَقِي شيءٌ من النهار، ولا يمكن أن يأتي الليل كلُّه في مكان النهار؛ لأن هذا يُنافي تقدير الله عز وجل الذي وَصَفَ نفسَه بأنَّه العزيز، بل سَمَّى نفسَه بأنَّه العزيز العليم. قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٤٠] (﴿كُلٌّ﴾ تنوينه عِوَضٌ عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم) النجوم هنا غير مذكورة، والصواب: من الشمس والقمر؛ لأنه لا ذِكْر للنجوم هنا، (﴿فِي فَلَكٍ﴾ مستديرٍ ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون)؛ يعني كلٌّ من الشمس والقمر والليل والنهار، كلٌّ يسبحُ في فَلَك، والفَلَك هو الشيء المستدير، ومنه فلكةُ الْمِغْزل، فلكة المغْزل للشيء المستدير في أعلاه، ولعلكم قد رأيتم المغْزل الذي تغزل به النساءُ الصوفَ، له شيءٌ شبه الطار في أعلاه مستديرٌ، هذا فلكة المغزل. الفَلَك مستديرٌ تدور فيه الشمسُ والقمرُ والليلُ والنهارُ، وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يسيرون، ولكن المعنى أدقُّ مما قال المؤلف؛ لأن السَّبْح هو العَوْم في الماء، فكأنَّ هذه عائمةٌ في الفَلَك الواسع تدور، ليستْ تسير على أرضٍ مسطَّحة أو على ماءٍ، بل هي تعوم في هذا الأُفُق. * * * * (...) الآية الكريمة: هذه الآيةُ العظيمةُ في الليل؛ حيث يَسْلخ منه النهارَ سَلْخًا كما يُسْلَخ الجلدُ من الشاة، وهذا يدلُّ على أنَّه يأتي شيئًا فشيئًا. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الأصل هو الظلام؛ لقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس ٣٧]، فهذا يدلُّ على أنَّ الأصلَ هو الظلام وأنَّ النهارَ طارئٌ عليه، ولهذا يُسلَخ منه، وهو كذلك؛ فإن أَصْل الضوء من الشمس، والشمس حادثةٌ وواردةٌ على الليل، فيكون الأصل الظلامُ ويأتي النورُ بعده. * ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير الخلْق بهذه النعمة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]، وأنَّه لولا نعمةُ الله علينا بهذا النهار الذي يُسلخ من الليل لكُنَّا دائمًا في ظُلْمةٍ، وهذا بلا شكٍّ مُتعِبٌ للناس وضارٌّ بهم؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]. ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إلى آخر الآيات. * فمن فوائدها: أنَّ الشمس تجري؛ أي: تسير، وهذا هو الواقع، وظاهر القرآن الكريم أنَّ سَيْرها ذاتِيٌّ، وليس المراد أنَّها تجري برأي العين وأنَّ الذي يدور هو الأرض، والواجبُ إجراءُ القرآن على ظاهِرِه حتى يقوم دليلٌ صريحٌ يكون لنا حُجَّةً أمام الله عز وجل إذا خرجنا عن ظاهر القرآن؛ لأن الذي تكلَّم بالقرآن هو الخالق عز وجل، وهو العليم بخلْقه، فإذا قال: إنَّ الشمس تجري، وَجَبَ أنْ نقول: إنَّ الشمس تجري، ولا يجوز أنْ نقول: إنَّنا نحن الذين نجري، ولكنْ هي التي تجري بتقدير العزيز العليم. * ومن فوائدها: أنَّ هذه الشمس التي هي دائمًا ودائبةً لا بدَّ لها من مُنتهى؛ لقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ويتفرَّع على هذا أنَّ جميع الخلائق لها مُنتهى، كلُّ ما في الدنيا من الخلائق فله مُنتهى وسوف يزول؛ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذه الشمس مقدَّرة تقديرًا بالغًا منظَّمًا؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويشهد لهذا الواقعُ؛ فإنَّ هذه الشمس منذ خَلَقَها اللَّهُ إلى أنْ تزول وهي في فَلَكِها لا تتقدَّم ولا تتأخَّر عن السُّنَّة التي أَمَرها اللَّهُ عز وجل أن تكون عليها، ولا ترتفع ولا تنخفض، حتى قيل: إنَّها لو تنخفض مقدارَ شعرةٍ لأحرقت الأرض، ولو ارتفعت مقدار شعرةٍ لجمدت الأرض، ولكن الله عز وجل جَعَلَها على هذا التقدير البديع المحكَم الذي لا يتغيَّر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ اسمينِ من أسماء الله وهما: ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ويؤخذ منهما إثباتُ صفتينِ تضمَّناهما وهُما العِزَّة والعِلْم، ويؤخذ منهما أيضًا إثباتُ الأثر أو الحكم، وهو أنَّه غالبٌ لكلِّ أحدٍ وعليمٌ بكلِّ شيء. * ومن فوائد الآية في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، من فوائدها أيضًا أنَّ هذا القمر آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ حيث هو موضوعٌ في فَلَكِه، ومع ذلك له منازلُ ينزلها كلَّ ليلةٍ، ليس مطْلقًا، ولكنَّه مقدَّر بمنازل ينزلها كلَّ ليلة، والحكمة من هذه المنازل هي أنْ يعرف الناسُ عدد السنين والحساب؛ كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ لماذا؟ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥] حتى إن العالِمين بمنازل القمر يعرفون الليلة من الشهر وإن كانوا لم يحسبوا من أول الأمر بناءً على معرفة المنازل؛ لأن هذه المنازل لا تتغير، وحلول القمر فيها أيضًا لا يتغير، فهي منظمة من عند الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس؛ لقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾، وكل تشبيه أو مَثَل في القرآن فإنه يدلُّ على القياس؛ لأن التشبيهَ أو المثَلَ إلحاقُ شيءٍ بشيءٍ لعِلَّة؛ التي تُسمَّى في البلاغة وجْهَ الشَّبَه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق (القديم) على غير الله خلافًا للمتفلسفة أو الفلاسفة الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله هو القِدَم، وهذا خطأ؛ لو كان هذا أخصَّ وَصْف الله لم يوصَف به سوى الله. والقِدَم لا يدلُّ على الأزلية؛ فهذا العرجون وَصَفه الله بأنه قديم ومع ذلك فليس أيش؟ فليس أزليًّا؛ إذْ إنَّه حادثٌ بعد أن لم يكن، وبه يتبيَّن بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إن أخصَّ وَصْف لله عز وجل هو القِدَم. لو قالوا: أَخَصُّ وَصْف لله هو الأوليَّة، لكُنَّا نوافقهم على ما قالوا؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وأمَّا أن نقول: إن القِدَم أخصُّ وَصْف لله مع أنه يُوصَف به الحادثُ، فهذا لا يكون ولا يصح. * فيها أيضًا: فيه دليل على قدرة الله من حيث نُور القمر؛ حيث يبتدئ ضعيفًا ثم يزداد في القوة ثم يرجع إلى الضعف، فإن هذا من قدرة الله عز وجل؛ إذ لوشاء لجعله تامًّا ممتلئًا دائمًا أو ناقصًا دائمًا. * وفيها أيضًا من الفوائد: الإشارة إلى حال الإنسان؛ فإن الإنسان إذا تدبَّر القمرَ وجد أنه مطابقٌ لحال الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، فحال الإنسان مساويةٌ تمامًا لحال القمر؛ فالقمر يبدو ضعيفًا ثم يزداد في القوة، حتى إذا تكاملت القوة أخذ في النقص، وهكذا الإنسانُ بالنسبة لحياته. قال الله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. * في هذه الآية: دليلٌ على أن سُنَّة الله عز وجل لا تتغيَّر، هذا هو الأصل، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣]، فسُنَّة الله سبحانه وتعالى لا تتغيَّر في الكون، ولكن هل هي سُنَّةٌ لازمةٌ بحيث يمتنع على الله أن يغيِّرها؟ الجواب: لا، ولكن الله تعالى أخبرنا بأنَّ هذه السُّنة لا تتغيَّر، لكنَّها تتغيَّر بتغييره، ولهذا حُبِسَت الشمسُ ليوشع بن نون[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧ / ٣٢)، من حديث أبي هريرة.]] كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ولهذا أيضًا إذا كان قرب الساعة فإنها تخرج من أين؟ من مغربها، ولهذا انشقَّ القمر في عهد النبي ﷺ وصار فرقتين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣)، من حديث ابن مسعود.]]، فهذه السُّنن الكونية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، لكن الله قادرٌ على أن يبدِّلها أو يغيِّرها ويكون هذا لسبب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الشمس لا يمكن أن تخرج ليلًا، لا يمكن بحسب السُّنَّة الإلهية، أمَّا بحسب قدرة الله فإنه أيش؟ يمكن أن تخرج ليلًا؛ لأن الله يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الليل لا يسبق النهار، فلا يدخل عليه ولا يتقدَّمه بحيث تتوالى ليلتان جميعًا؛ ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، هذا هو ما يظهر لنا من هذه الآية الكريمة، وقد يكون لها معنى غير ما نفهمه من ظاهرها، ولهذا ربما يكون للذين يدرسون في علم الفَلَك يتبيَّن لهم من هذا التعبير أكثر مما تبيَّن لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الشمس والقمر والليل والنهار في فَلَك -يعني في شيء مستدير كفَلَكة المغزل- وأنها تدور؛ لقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. * ومن فوائدها: ضَعْف قول مَن يقول: إن الشمس في السماء الرابعة والقمر في السماء الدنيا، ويجعلون الكواكب والشمس والقمر كواكب معيَّنة في كلِّ سماءٍ كوكب على هذا الترتيب من الأعلى إلى الأدنى: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ هذه سبعة، يكون كلُّ واحدٍ في سماء؛ (زُحَل) هو أعلاها في السماء السابعة -على كلام السابقين من علماء الفلك- (شَرَى) يعني المشترِي في السماء السادسة، (مِرِّيخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في السماء الرابعة، (فتزاهرتْ) الزُّهرة في السماء الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) القمر في السماء الدنيا، فهذا البيت فيه ترتيب هذه الكواكب: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَارِدَ الْأَقْمَارُ (...) من كتاب الله ولا من سُنَّة رسول الله ﷺ، ونحن إنما نعرف أن هذه الكواكب بعضها فوق بعض بالكسوف؛ فإذا كان القمر يَكسف الشمس عرفنا أنَّه تحتها، كما نعرف أنَّ الغيم تحت الشمس لأنه يحجبها، وإذا كسف القمرُ شيئًا من النجوم عرفنا أنه -أي القمر- تحتها، ولهذا القمرُ يكسف كل النجوم، الشمس، ولا يكسفه شيءٌ منها، ما يكسفه إلا الأرض؛ لأن الأرض تحته فتحجب نور الشمس عنه، وحينئذٍ ينكسف، وقد شاهدتُ أنا وغيري أن القمر يكسف بعض النجوم، تجده يسير حولها ثم يغطيها، وهذا يدلُّ على أن القمر نازلٌ عن منزلةِ أو عن عُلوِ هذه الكواكب. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على قول مَن يقول: إن الشمس ثابتة وإنها لا تدور. والعجبُ أنهم يقولون: إنها ثابتةٌ وإن القمر يدور على الأرض. وهذا غلط؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحكمَ واحدًا قال: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فإذا فسرنا السَّبْح بالدوران وأثبتنا ذلك للقمر فلنُثبته أيضًا للشمس. عندي فيه كلمة ما شرحناها من تفسير المؤلف؛ قال: (يسيرون؛ نُزِّلوا منزلة العُقَلاء). (نُزِّلوا) مَن؟ الشمس والقمر والليل والنهار (منزلةَ العُقَلاء)، وذلك بأنْ أتي بالواو التي هي للعُقلاء، الواو ضمير الجمع لا تأتي إلا للعُقلاء، غير العُقلاء يؤتَى لهم بنون النسوة، فغير العُقلاء إذا أردنا أن نضيف إليهم شيئًا على سبيل الجمع نأتي بنون النسوة، والعُقلاء نأتي بالواو أو بالميم فتقول مثلًا: الإبل ركبهُنَّ أربابُهنَّ، ولا تقُل: الإبل ركبهم أربابُهم؛ لأن الميم للعاقل. وتقول: الإبلُ قَدِمْنَ، أو: الإبلُ شَرِبْنَ، ولا تقول: شَرِبوا؛ لأن الواو للعاقل هنا. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أتى بالواو التي للعاقل، يقول: إنها نزلت منزلة العاقل بإضافة السَّبْح والجريان إليها، والجريانُ إنما يكون من ذي الإرادة والعقل.