×

يس

الآيات ٣٨–٣٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿٣٨﴾

وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ ﴿٣٩﴾

وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس ٣٨]»» [[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠)، من حديث أبي ذر.]]، وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ مستقرَّها مكانِيٌّ ولَّا زمانِيٌ؟ مكانِيٌّ؛ لأنها تسجد تحت العرش، وهذا السجود لا نعلم كيفيَّته؛ لأن الشمس ليستْ كالبَشَر حتى يُقاس سجودها بسجود البَشَر، بل هي مخلوقٌ أعظم، ولا ندري كيف تسجد، فإِذَنْ لا يَرِدُ علينا السؤالُ: هل هي تسجد وهي سائرةٌ أو تَقِف؟ وكيف يصح أنْ نقول: إنها تسجد وتستأذن وهي لا تزال مستمرَّةً في الأُفُق؟ كلُّ هذه الأسئلة والإيرادات نُجيب عليها إنْ شاء الله عند ذكر الفوائد. وقيل: إنَّ المستقَرَّ مستقَرٌّ زمنيٌّ، وذلك عند تكويرها يوم القيامة؛ يعني: عند مُنتهى سَيْرها يوم القيامة؛ يعني: تجري إلى يوم القيامة الذي هو موضع قرارها الزمني. وقيل: إنَّ المراد بالمستقَرِّ منتهى تنقُّلها في البروج الشَّمالية واليمانية، فلها حدٌّ تنتهي إليه من الشَّمال لا تتجاوزه، ولها حدٌّ تنتهي إليه من الجنوب لا تتجاوزه، وبناءً على هذا يكون المستقَرُّ زمانيًّا ومكانيًّا؛ لأن غاية سَيْرها في الشمال يكون به ابتداءُ فصل الصيف؛ القَيْظ، وغاية سَيْرها في الجنوب ابتداءُ فصل الشتاء، فهذا قرارٌ أو مستقَرٌّ زمانِيٌّ ومكانِيٌّ، فالشمس -هذه الشمس العظيمة التي لا يعلم قَدْرها إلا الذي خَلَقَها سبحانه وتعالى- بما فيها من المصالح العظيمة ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، كلُّ شيءٍ له غاية، وكلُّ شيءٍ له مُنتهى إلى مَن؟ إلى الله عز وجل. قال: (﴿ذَلِكَ﴾ أي: جَرْيُها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلْقِه). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريانها لمستقَرِّها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وأضافَ التقدير هنا إلى هذا الاسم الكريم ﴿الْعَزِيزِ﴾ لأنَّ هذه الشمس العظيمة تحتاج إلى قُوَّةٍ وسُلطانٍ قاهرٍ، فلهذا أتى باسم ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأن العزيز يتناول أو يشمل ثلاثة معانٍ: أولًا: العزيز في قَدْره، والعزيز في قَهْره، والعزيز في امتناعه. أمَّا في قَدْره فمعناه أنَّ الله ذو شأنٍ عظيمٍ لا يماثله أحدٌ. وأمَّا في قَهْره فمعناه أنَّ الله له الغَلَبة والسلطان المطْلَق؛ يقول الشاعر الجاهلي: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ وأمَّا في امتناعه فالمعنى أنَّه ممتنعٌ عن كل نقصٍ وعيبٍ. أمَّا ﴿الْعَلِيمِ﴾ فمعناه ذو العِلم الكامل الشامل، فعِلْم الله تعالى كاملٌ لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وما كُتِب في كتابٍ مبينٍ إلا بعد أن كان معلومًا عند الله عز وجل؛ إذ المجهول لا يُكتب، فهذا يدلُّ على سعةِ عِلْم الله عز وجل وأنَّه محيطٌ بكلِّ شيءٍ جملةًَ وتفصيلًا، إذَنْ فـ﴿الْعَلِيم﴾ معناه ذو العِلم الكامل الشامل، كمالُه من حيث إنَّه لم يُسبق بجهل ولا يَلْحقه نِسْيان، وشُمولُه لأنَّه شاملٌ لكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ. يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فذكر اللَّهُ هذين الاسمين لمناسبة المقام؛ لأنَّ الشمس ليستْ بالشيء الهيِّن الذي يَسْهل قِيادُه، بل هي شيءٌ عظيمٌ يحتاج إلى عِزَّةٍ وإلى عِلْم. ثم قال: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ [يس ٣٩] (القَمَر) فيه قراءتان: الرفع، والنصب. ففيه وجهانِ في الإعراب؛ ﴿الْقَمَرُ﴾ بالرفع على أنَّه مبتدأٌ خبره ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. و﴿الْقَمَرَ﴾ بالنصب على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّره المذكور، فيكون من باب الاشتغال، وهُنا يتساوى الرفعُ والنصبُ في الرُّجحان؛ لأن الجملة التي قبله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ جملة اسمية خبرُها فعلٌ، فلهذا جاز في (القمر) الوجهان، والمعروف أنَّه يترجَّح الرفعُ إذا عُطِف المشغول عنه على جملةٍ اسمية، ويترجَّح النصبُ إذا عُطِف على جملة فعلية. قال: (﴿وَالْقَمَر﴾ بالرفْع والنَّصْب، وهو منصوبٌ بفِعْلٍ يُفَسِّره ما بعده). يعني: يفسِّره المذكور، والتقدير على هذا: وقدَّرْنا القمرَ منازل. ولا حاجة تقول كما يقول بعضُ الناس: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ قدَّرْناه. ليش؟ إذْ لا يُجمَع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردتَ أن تقدِّر فقل: التقدير: وقدَّرْنا القمرَ، أيش؟ منازل. فإذا قلتَ: لماذا لم يَقُل عز وجل: وقدَّرْنا القمرَ منازل؟ قلنا: لأنَّه إذا أتى بالجملة الاسمية التي خبرُها فعلٌ صارَ كأنَّه أسندَ هذا إليه مرَّتين، أسندَ الفِعل -اللي هو التقدير- إلى القَمَر مرَّتين؛ مرَّةً بذِكْره اسمًا ظاهرًا، ومرَّةً بذِكْره اسمًا مُضْمَرًا ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. قال الله تعالى: (﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ من حيث سَيْره ﴿مَنَازِلَ﴾ ). تقدير الله عز وجل القَمَر منازلَ لأنَّه بهذا التقدير يمكن أنْ يأتي على هذا الوجه الذي نُشاهده؛ يتغيَّر كلَّ ليلةٍ عن الأُخرى، ولولا هذا التقدير ما تغيَّر، لكنَّه مُقَدَّرٌ منازلَ؛ ثمانيةً وعشرين منزلًا على حسب النجوم المعروفة عند العرب، كلَّ ليلةٍ ينزل منزلةً، ويبقى ليلة واحدة إن كان تسعًا وعشرين أو ليلتانِ إن كان ثلاثين، تسمَّى هاتانِ الليلتانِ ليالي الاستسرار؛ يعني الاختفاء، يختفي فيها القمر، إمَّا في أول الشهر التالي وإمَّا في آخِر الشهر السابق، يقول عز وجل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (ثمانيةً وعشرين منزلًا في ثمانٍ وعشرين ليلةً من كلِّ شهر، ويستتر ليلتينِ إنْ كان الشهر ثلاثين يومًا، وليلةً إنْ كان تسعةً وعشرين يومًا)، ومَن أراد تفصيل العلم في هذا فليقرأْ ما كتبه أهلُ العلم في ذلك، ولا سيَّما في عصرنا هذا؛ فإنهم اطَّلعوا على أشياء عجيبة في هذا التقدير. القمر قدَّره الله منازلَ، كلَّ يومٍ منزلًا، إذَنْ هو يختلف كلَّ ليلةٍ عن أيش؟ عن الأُخرى، ولهذا يبدو صغيرًا، ثم يكبر، ثم يعود يصغر بحسب قُربه من الشمس، كلَّما قَرُب من الشمس ضَعُفَ نوره؛ لأن نور القمر مستمدٌّ من نور الشمس، هو نفسه ليس به إضاءة، جِرْمٌ مُظلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢]، فهو جِرْمٌ مُظلمٌ لا يستفيد نورًا إلا بغيره، فإذا قابَلَ الشمسَ حَصَلَ فيه النور، كُلَّما أبعدَ عنها كثرت المقابلة؛ لأن السير كُرويٌّ، فكُلَّما قَرُبَ ضَعُفت المقابلة، فإذا ارتفع زادت المقابلة، ولهذا يمتلئ نورًا فيما إذا كان في المشرقِ والشمسُ في المغرب لتمام المقابلة حينئذٍ؛ لأنه يكون هكذا التقابُل بينهما فيمتلئ نورًا. وما هو الجزء المنير منه؟ الجزء المنير منه هو الذي يلي الشمس، ولهذا تجده في أيام الشتاء إذا كانت الشمسُ خَلْفه تكون فتحةُ قَوْسِه نحو المشرق، في أيام الصيف تكون فتحةُ قَوْسِه نحو الجنوب؛ لأن الشمس تكون عنه شمالًا وهو يكون عنها جنوبًا فتجده فَتْحته نحو الجنوب، وفي الشتاء حيث إنه يستدبرها ويكون وراءها تجدُ فَتْحته تكون نحو المشرق. ولهذا يغلط بعضُ الناس الذي يظنُّ أن اتجاه فتحة القمر -يعني فتحة قوسه- دائمًا إلى الشرق أو إلى الجنوب، هذا ليس بصواب، وإذا أردتَ أن تعرف هذا فتدبرْه. طيب، يقول: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ﴾ (في آخِر مَنَازلِهِ في رأْي العين ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩] أي: كعُودِ الشَّماريخ إذا عتق، فإنَّه يَدِقُّ ويتقوَّس ويصْفَرُّ). حتى عاد القمر بعد تقدير هذه المنازل ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون يُسَمَّى في اللغة العامِّية عندنا (عُرجود) بالدال، هذا العرجود هو أصل الشماريخ الذي في طلع النخل، وهو إذا يَبِس يتقوَّس ويَصْفَرُّ، فشبَّه الله عز وجل القمرَ في رؤية العين بهذا العرجون القديم؛ أي إنَّه يبدو دقيقًا أصفر متقوِّسًا، وهذا من باب التشبيه البليغ ولَّا غير البليغ؟ غير البليغ، ليش؟ لأنَّه ذُكرت أداةُ التشبيه، التشبيه البليغ هو الذي يُحذَف فيه أداةُ التشبيه ووجْه الشَّبَه، فإنْ ذُكِر أحدُهما فالتشبيه ليس ببليغ. طيب، يقول: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس ٣٩، ٤٠] لَمَّا ذكر اللَّهُ عز وجل أنَّ الشمس تجري لمستقَرٍّ لها، وأنَّ هذا أمرٌ مقدَّرٌ من قِبَل العزيز العليم، وأنَّ الله تعالى قدَّر القمرَ منازلَ ينزلها منزلةً منزلةً حتى يعود بعد امتلائه نورًا فيصير كالعرجون القديم؛ بيَّن أنَّ هذا النظام لا يمكن أن يتصادم أبدًا؛ لأنَّه مقدَّر مِن عند مَن؟ مِن عند الله عز وجل العزيزِ العليمِ، منازل لا يتجاوزها ولا يتعدَّاها. قال: ﴿