تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ كَلَّا ۚ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٢٧﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ٢٧] في هذا ما سبق من أنه من آداب المناظرة سلوك التحدي فيما يُعلم امتناعه من الخصم؛ لأنك إذا تحديته بأمر لا يمكن وظهر عجزه تبين بطلان دعواه، أو لا؟ بخلاف ما إذا تحديته بأمر يمكنه أن يفعله فإن هذا ضرر عليك، لا تتحدى الخصم إلا بأمر يعجزه ولا يتمكن منه، هنا يقول: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ يعني أعلموني ماذا خلقوا؟ ماذا نفعوا؟ لم يخلقوا شيئًا، ولم ينفعوا، ولم يدفعوا ضررًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١] وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢].
وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾.
* يستفاد منها: أن الشِّرْك يكون في العبادة كما يكون في الخَلْق والتدبير؛ بمعنى أن الشرك يكون في الألوهية كما يكون في الربوبية، وجه ذلك أن هؤلاء المشركين لم يكونوا يُشرِكون في الربوبية، ولكنهم يشركون في الألوهية والعبادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يُرِي أحد من الناس أن لهذه الأصنام شيئًا من الخلق أو الرزق أو التدبير، يؤخذ من قوله: ﴿كَلَّا﴾ [سبأ ٢٧] يعني لا يمكن أن تروني شيئًا من هذه الأصنام.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما العزيز والحكمة، وما تضمناه من صفة وهي العزة والحِكمة، الاسمان العزيز، الحكيم، وما تضمناه من صفة وهي العزة والحِكْمة والْحُكْم، العزة يعني الحكيم، قلنا: بم؟ ذو الحُكم والحِكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أفعال الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تقع سفهًا؛ لقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ٢٧]، والحكيم هو الذي لا يقع في فعله سفه، وهذا شيء معلوم بالضرورة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص ٢٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل لا يُغلب؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ [سبأ ٢٧]، وإذا آمنت بذلك، واستنصرت به تبارك وتعالى علمت أنك لا تُغْلَب.