×

سبأ

الآية ١٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴿١٥﴾

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ ١٥] إلى آخره. الجملة هذه كما تعلمون مؤكدة بثلاثة مُؤَكِّدَات؟ * طالب: قد. * الشيخ: هذه قد. * الطالب: وكان. * الشيخ: لا، كان ما من أدوات التأكيد، مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات. * الطالب: اللام، و(قد). * الطالب: والقسم المقدر. * الشيخ: والقسم المقدر، نعم، صح؛ لأن هذه على تقدير قسم أي: والله لقد كان لسبأ، و(كان) هنا تدل على مجرد الحدوث أي أنها مسلوبة الدلالة على الزمن؛ فإن هذه الآية باقية حتى الآن، كل من قرأ خبرها (...). (﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ بالصرف وعدمه: قبيلة سُمِّيَت باسم جَدٍّ لهم من العرب) سبأ اسم رجل يُسَمَّى سَبأً وكان من قحطان، واختلف المؤرخون النسَّابون في قحطان هل هو من العرب العاربة أو من العرب المستعربة؟ والمشهور أنهم من العرب العاربة الذين قبل إبراهيم، لكن روى البخاري «أن النبي ﷺ مَرَّ على قبيلتين من الأنصار كانوا يَتَرامَوْن بالنَّبْل فقال لهم النبي ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.]]، وهذا يدل على أنهم عرب مستعربة؛ لأن الأنصار معروف أنهم -الأوس والخزرج- كلهم من قبائل اليمن من قحطان، نزلوا تفرقوا في البلاد بعد الغرق ونزلوا المدينة، وعلى هذا فيكون ظاهر حديث البخاري أن قحطان كلهم من بني إسماعيل. والحاصل أن العلماء في النَّسَب يُقَسِّمون العرب إلى قسمين: ما كان قبل إبراهيم فهم عرب عاربة، وما كان بعده من ذريته فهم عرب مُستعرِبة. المهم أن سبأ اسم لرجل كان له أولاد كثيرون جاء في الحديث أنهم عشرة، بقي منهم ستة في اليمن، وأربعة في الشام، وانتشروا في الأرض وكثروا. وفيها قراءتان يقول المؤلف: (بالصرف وعدمه) ﴿لِسَبَإٍ﴾ هذا الصرف، وعدمه ﴿لِسَبَأَ﴾ . يقول: (﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ باليمن ﴿آيَةٌ﴾ )، المؤلف يقول: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أتى بالقراءة؛ قراءة الجمع، ولم أره ذكَر قراءة الإفراد، وفيها قراءتان سَبْعِيَّتان: قراءة الإفراد: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، وقراءة الجمع: ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ، ولا خلاف بينهما في المعنى؛ لأن (مسكن) مفرد، والمفرد المضاف يَعُمُّ يشمل كل ما يدخل تحت هذا المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]؟ فهنا (نعمة) مفرد وقال فيها: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ إذن هي كثيرة، فـ(مسكن) من حيث المعنى بمعنى مساكن؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يَعُمُّ. * طالب: (...). * الشيخ: لا أنا عندي: ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ عندكم في المصحف. * طلبة: (...). * الشيخ: لا اللي عندي هي اللي عليها خط المؤلف ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾. على كل حال ﴿مَسَاكِنِهِمْ﴾ قراءة سبعية، و﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ قراءة سبعية أيضًا، والمسكن ما يَسْكُنُه الإنسان فيسكن فيه ويطمئن؛ كالبيوت والحدائق والبساتين وما إلى ذلك. ﴿آيَةٌ﴾ (آية) بمعنى علامة قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]؛ فالآية بمعنى العلامة الدالة على الشيء، هذه الآية دالة على أي شيء؟ دالة على قدرة الله عز وجل، وعلى نعمته، وعلى حكمته في النهاية. و﴿آيَةٌ﴾ من ناحية الإعراب اسم (كان) مؤخر و﴿لِسَبَإٍ﴾ خبرها مقدم. قال المؤلف: (آية دالة على قدرة الله)، وقلت أنا زيادة: وعلى إحسانه وإنعامه، وعلى حكمته في النهاية؛ لأن هذه المساكن -كما سيأتي- دَمَرَتْ بسبب إعراضهم. قال: (﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل) منين؟ بدل من ﴿آيَةٌ﴾، ويجوز أن تكون عطف بيان؛ لأنها بيَّنت الآية ووضَّحَتْها، والجنة هي البستان الكثير الأشجار؛ سميت بذلك لأنها تُجِنُّ مَنْ فيها أي: تَسْتُرُه، وقد علمنا سابقًا أن هذه المادة وهي الجيم والنون تدور على معنى الاستتار والخفاء. ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يقول: (عن يمين واديهم وشماله) وكان هذا الوادي بين جبال، وكان على أطراف هذا الوادي هذه الجنان العظيمة من الأشجار المتنوعة الكثيرة الثمار، وكانوا في أحسن ما يكون من الرغد والهنا والأمن. يقول: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يعني: إذا كانت على يمين الوادي وشماله صار لها أيضًا منظر بديع رهيب جذَّاب، يقول الله عز وجل: (﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) إلى آخره؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الجنتين جعل فيها خيرًا كثيرًا، وجعل تناولُها مُيَسَّرًا؛ ولهذا قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر صعب ولَّا ميسر؟ ميسر، كما لو قدمت لك طعامًا وقلت: كُلْ، إذن فهذه الجنات تعطي ثمارها بدون مشقة، بل باليسر والسهولة. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرَّبُّ تقدم لنا أن معناه الخالق المالك المُدَبِّر، والربوبية هنا ربوبية خاصة لعنايته سبحانه وتعالى بهم بما أعطاهم في هذه الجنات. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا هو الذي يُطالَبون به جزاءً أو إظهارًا لنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، والشكر تقدَّم أنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ يعني: فاعترفوا بأن هذه النعمة من أين؟ من الله، وأَثْنُوا على الله تعالى بها، وقوموا بجوارحكم بطاعته حتى تؤدوا الشكر على الوجه المطلوب منكم. (﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ) ﴿اشْكُرُوا لَهُ﴾ أحيانًا تتعدى (شكر) بنفسها فيقال: شكرت الله، ويقال: شكرت له، فهي من الأفعال التي جاءت في اللغة العربية لازمة ومتعدية، متى تكون لازمة؟ ﴿لَهُ﴾، تكون لازمة إذا جاء حرف الجر ﴿لَهُ﴾، وتكون متعدية إذا لم يأت حرف الجر، فإذا قلت: شكرت الله صارت متعدية، وإذا قلت: شكرت لله صارت لازمة. قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ويش إعراب ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾؟ * الطالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: ويش التقدير؟ * الطالب: هذه البلدة. * الشيخ: أو هي بلدة، نعم. (﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها) هذا (...)! إنما نقول: هي بلدة طيبة، أما كونه غريب يأتي من البر وفي ثيابه القمل فيموت القمل لطيب الهواء، فالله أعلم، لكن نقول: لا شك أن وصف الله إياها بالطيبة أنها من أحسن البلاد في هوائها، وفي قَرِّها وفي حرها، ليس فيها الحر الشديد ولا القَرّ القارص، وليس فيها عفونة الهواء والماء وما أشبه ذلك، فخُذْ بما شئت من طيب المسكن في كل ما يُسَمَّى طيبًا. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يعني يقول: واللهُ ربٌّ غفور، غفور لماذا؟ غفور للذنوب، فمنَّ الله عليهم بنعمتين: نعمة السكن وطيبه، ونعمة المغفرة، فيكون في نعمة المغفرة السلامة من الآثام وعقوباتها في الآخرة، وفي البلدة الطيبة السلامة من الآفات في الدنيا. والغفور صيغة مبالغة، واسم الفاعل منها غافر، وهي مأخوذة من الغَفر بمعنى الستر مع الوقاية، ومنه قولهم: المِغْفَر الذي يلبسه الإنسان ليتقي به السهام في الحرب، ففيه تغطية وستر وفيه أيضًا وقاية، وهكذا مغفرة الذنوب فإن معناها أن الله يستر عليك الذنب ويقيك عقوبته. (﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن شكره وكفروا ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ) إلى آخره. الفاء هنا عاطفة يعني أنهم مع هذه النعم -جنات بساتين عظيمة، وبلد طيب، مغفرة للذنوب إذا قاموا بطاعة الله- قال: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أعرضوا عن أيش؟ يقول: أعرضوا عن شكر الله وكفروا، فأعرضوا عن الشكر، وقابلوا هذه النعمة بالكفر، فماذا كانت عاقبتهم؟ قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ الفاء هنا عاطفة وتفيد السببة أيضًا أي: فبسبب إعراضهم أرسلنا عليهم سيل العرم، وهذه سُنَّة الله سبحانه وتعالى في خلقه كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]، هؤلاء أعرضوا فدمَّر الله ديارهم. (﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ جمع عرمة، وهو ما يُمْسِك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجتهم أي: سيل واديهم الممسوك بما ذُكِر، فأغلق جَنَّتَيْهم وأموالهم). ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ﴿الْعَرِمِ﴾ بمعنى السد؛ يعني أن هذا السيل منسوب إلى السد، أو بمعنى سيل العرم من باب إضافة الشيء إلى صفته؛ أي: السيل العارم الجارف الذي يُتْلِف كل ما مَرَّ عليه، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم سيلًا عظيمًا؛ وذلك بفساد السد الذي جعلوه بين هذه الجبال، وكان هذا السد المنيع تجتمع فيه السيول وتمتصها الأرض وتخرج في العيون فلما تصدَّع هذا السد جرت المياه بغير تقدير، وذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ يقول: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ الجنان السابقة أو الجنتان السابقتان كلها ثمار طيب يُؤكَل ويُنتَفع به بالبيع والشراء، وغير ذلك. أما البدل فيقول: (﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ﴾ تثنية ذوات مفرد) كذا عندكم؟ مفرد على الأصح، عندكم تثنية ذوات ولَّا ذات؟ * طلبة: ذوات. * الشيخ: طيب، هو في الأصل (ذات) المفرد، و(ذوات) للجمع، فثُنِّيَ الجمع، وصارت ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾، ويُمْكِن أن يُقال خلاف كلام المؤلف، فيقال: إن الأصل (ذات) لكن لما ثُنِّيَ عادت الواو، فصارت ﴿ذَوَاتَيْ﴾ أي: صاحبتي؛ لأن (ذات) بمعنى صاحبة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي: صاحبة البروج. ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال المؤلف: (مُرٍّ بَشِعٍ بإضافة أُكُل بمعنى: مأكول وتركها، ويعطف عليه ﴿وَأَثْلٍ﴾ ) يعني أن فيها قراءتين: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ هذه الإضافة، وتركها ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾، أما الإضافة واضحة ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ﴾ يعني: أنها الأُكُل يُخْمَط خمطًا وهو شجر الأراك كما فسَّره بذلك ابن عباس رضي الله عنهما، والأراك هي المساويك هذه، لها أوراق بسيطة جدًّا، وليست بذاك اللذيذة؛ ولهذا يقول المؤلف: (مُرٍّ بَشِع) بدل الفواكه والخُضَر والزروع وغيرها، ويقول: ﴿أُكُلٍ﴾ بمعنى مأكول؛ يعني: ذواتي مأكول يُخْمَطُ خَمْطًا، ﴿وَأَثْلٍ﴾ أثل بدل الأشجار المُثْمِرة البهيجة صار بدلها أثل، والأثل بعضهم قال: هو الطرفة، والصحيح أنه غير الطرفة؛ لأن الطرفة تكون صغيرة ما تكبر، والأثل معروف يقول. * الطالب: الأراك هل هو الأكل ولَّا الخمط؟ * الشيخ: لا، الخمط. * الطالب: والأكل؟ * الشيخ: لا، أكل يعني معناه أنه يُؤْكَل خَمْطًا. قال: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هنا قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾، وهناك قال: ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾؛ لأن السدر أحسن هذه الأنواع الثلاثة، ولم يُعْطَوا منه إلا الشيء القليل، ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ وأيضًا قليل، مع أن كلمة ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ تدل على القلة لكنها أُكِّدَت هذه القلة بقوله: ﴿قَلِيلٍ﴾. الخلاصة الآن أن هؤلاء لما أعرضوا ولم يقوموا بشكر الله عز وجل أرسل الله عليهم السيل فأغرق أموالهم وهدَّم بناءهم وأبدلهم بهاتين الجنتين جنتين لا يساويان ولا يُقارِبان ما سبق؛ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ليس بالكثير، ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ والمؤلف قال: (إنه مُرٌّ بشع)، ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ بدل تلك الجنات العظيمة المفيدة النافعة. ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ (﴿ذَلِكَ﴾ التبديل ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ) ولو قال: المؤلف ذلك التبديل وإرسال السيل لكان أعمَّ وأشملَ، أو لو قال: ذلك المذكور لكان أشمل، (﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بكفرهم ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ )؛ ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ قال المؤلف: (بكفرهم) فأفادنا أن (ما) مصدرية وأما الباء فهي للسببية؛ أي: جزيناهم هذا الجزاء بإغراق أموالهم وهدم بنائهم وإبدال الجنتين بهاتين الجنتين. ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بسبب كفرهم، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾ (بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور أي: ما يُناقَش إلا هو). في قوله: ﴿هَلْ نُجَازِي﴾ قراءتان ﴿نُجَازِي﴾ وعلى هذه القراءة يجب نصب ﴿الْكَفُورَ﴾، على أنها مفعول به، القراءة الثانية: ﴿يُجَازَى﴾ وعليه تُرْفَع الكفور على أنها نائب فاعل، والاستفهام هنا بمعنى؛ النفي لأنه عُقِّب بـ﴿إِلَّا﴾ فيكون ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: ما نجازي إلا كفور، والمجازاة هنا بمعنى المناقشة، أو بمعنى المكافئة على الفعل، و﴿الْكَفُورَ﴾ صيغة مبالغة أي: ذو الكفر بالله سبحانه وتعالى، والله أعلم. * طالب: (...). * الشيخ: عام يشمل هذا وهذا، يعني: ما نجازي بالعقوبات إلا مَنْ كفر بالله سواء كان كفرَ نعمةٍ فيُجازى على قَدْرِ ذنبه أو كفرًا مخرجًا عن الملة، ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت. * ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (...) تدل إما على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعين أن تكون للتعظيم. * ومنها: أن الشيئ الحقير قد يفعل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبُر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة. * ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. * ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور.. ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين، لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية، يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال. * الفوائد: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت. * ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (نا) تدل إمَّا على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعيَّن أن تكون للتعظيم. * ومنها: أن الشيئ الحقير قد يَفْعَل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبِر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة. * ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك، فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات. * ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩]، هذا بالاختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. * ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور الحسية؛ لأن الله استدل على كونهم لا يعلمون الغيب بأنهم بقوا مُعَذَّبين مما يعملونه من الأعمال الشاقة، فلك أن تستدل على الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، وهذا شيء معروف. * ومن فوائد الآية: أن الجن ذو عقول؛ لقوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ وهو كذلك، لأن الله تعالى أعطاهم عقولًا يهتدون بها إلى مصالح دينهم ودنياهم. * ومنها: تسمية الأعمال الشاقة عذابًا؛ لقوله: ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ مع أن سليمان عليه الصلاة والسلام لم يجعلهم يعملون له ما يشاء عقوبة لهم ولكنه تكليف، وبهذا نعرف أن العذاب قد يُطْلَق على ما ليس بعقوبة، كما في قوله ﷺ: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧/١٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ إلى آخره فيها دليل على استعمال التأكيد في الأمور الهامة، وإن لم يكن المخاطب مُنْكِرًا أو مترددًا، تؤخذ من تأكيد هذه القصة في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾؛ لأن التأكيد -كما نعلم- إنما يجب في مخاطبة المنكر، ويحسُن في مخاطبة المتردد، ويكون على خلاف البلاغة فيما عدا ذلك، هذا هو المعروف عند علماء البلاغة، ولكن بتأمل ما ورد في القرآن الكريم نجد أن الأمور الهامة -وإن خوطب بها من لا ينكرها أو يتردد فيها- نجد أن الله تعالى يؤكدها كما في هذه القصة وغيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة الدالة على قدرة الله وحكمته، وهي قصتهم على سبيل العموم أنهم مُنَعَّمُون في ديارهم وبساتينهم وقصورهم وغير ذلك، فلما أعرضوا انقلبت الحال، ففيها عبرة، فيها آية من وجوه كثيرة آية دالة على قدرة الله، آية يعني: عبرة لمن عصى الله عز وجل، عبرة لمن أطاع الله، أية دالة على حكمة الله، فبالتأمل لهذه الآية تجد فيها أصنافًا وأنواعًا من الآيات، طيب الآن شرحنا هذه الآيات قلنا: آية دالة على قدرة الله؛ حيث خلق لهم هذه البساتين العظيمة ثم أبدلها بأخرى لا تساويها بشيء، دالة على أيش؟ على حكمته عز وجل؛ حيث أعطاهم ذلك الخير حين كانوا مُقْبِلين على الله، وسلَبَهُم إياه حين أعرضوا واستكبروا عن طاعته، آية للمعتبرين من أهل المعاصي؛ فإن فيها تحذيرًا لهم من أن تزول نعمة الله عليهم بسبب معاصيهم، آية للطائعين حيث يعتبرون بها بأنهم ما داموا على طاعة الله فإن نعمة الله تدور عليهم، هذه أربعة أوجه من كونها آية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الجنات تُؤْتِي أُكُلَها على وجه واسع؛ لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الشكر لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، والشكر واجب عقلًا كما هو واجب شرعًا؛ أما وجوبه الشرعي فالآيات في الأمر به كثيرة، وأما وجوبه العقلي فلأن العقل الصريح يقتضي أن كل من أحسن إليك فإنك تشكره على ذلك، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، يعني: كل أحد يرى أنه من الخطأ أن يسدي إليك إنسان ما يسدى من الخير، ثم تَتَنكر له ولا تقوم بشكره كل يعرف أن هذا خطأ، وأن الواجب أن تشكر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاد الله تنقسم إلى طيب وخبيث؛ لقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾، وما نوع الطيب في هذه البلدة؟ هل هو طيب الأرض، أو طيب الهوى، أو طيب الثمار؟ الجواب: يَعُمُّ كل ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ربوبية الله عز وجل ومغفرته؛ في قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. ثم قال الله عز وجل ﴿