×

سبأ

الآية ١٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴿١٤﴾

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ما كملناها أظن نعم نخليها إن شاء الله في المستقبل. قال الله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ بالهمز وتركه بألف؛ يعني فيها قراءتان ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾، القراءة الثانية: اجعل الهمزة ألفًا أي: ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ ، ولهذا قال: (بالهمز وتركه)، ولكن إذا تركناه يكون (بألف؛ لأنها يُنْسَأ: يُطْرَد ويزجر بها). * الطالب: (...). * الشيخ: لا، عندنا: (يزجر). إي نعم، كأن المؤلف رحمه الله يريد أن يُبَيِّن اشتقاق هذه الكلمة، وأنها من النسأ أي الطرد والزجر؛ فإن الإنسان يزجر بعصاه بحزها على مَنْ يوجه إليه الخطاب، ويطرد بها بالضرب، وهذا يدل على أن الكلمة عربية، ولكن بعض المفسرين يقول: إن الكلمة غير عربية، وأنها من الكلام الذي عُرِّب، وإذا كانت الكلمة من الكلام المعرَّب فإن لا يُشْتَق لها من العربية، كل كلمة لها اشتقاق من العربية فإنها تكون عربية، وعلى كل حال (...) من هذا سهل، المهم أن المنسأة هي العصا يُطْرَد بها الشيء ويزجر بها. (﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ ميِّتًا ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ) الجملة كما تشاهدون جملة شرطية، وأداة الشرط فيها ﴿لَمَّا﴾، وقد مر علينا أن (لما) تأتي لعدة معان: تكون شرطية، وتكون للنفي، وتكون بمعنى (إلا)، والرابع أن تكون ظرفًا بمعنى (حين). هنا استُعملت شرطية بدليل أنه جاء بعدها شرط وجواب، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ﴾. نافية كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] أي: لم يذوقوا عذاب. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ. وتأتي بمعنى (حين) أي: ظرفًا، مثل أن تقول: أكرمتني لمَّا زرتك، أي: حين زرتك، طيب، إذن تأتي على أربعة أوجه. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ أي: علمت وبان لها وفسرها المؤلف بقوله: (انكشف لهم ﴿أَنْ﴾ مخففة، أي: أنهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ) ﴿أَنْ﴾ مخففة منين؟ من الثقيلة، وإذا خُفِّفَت الثقيلة وجب حذف اسمها، وكان خبرها جملة، فهنا الخبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. وإعرابها أن تقول: ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مستتر، وجملة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ في محل رفع رفع خبرها (...). وفي قول المؤلف: (أنهم) إشارة إلى ما سبق؛ أن قلنا: إن ضمير الشأن ينبغي أن يكون مناسبًا للمقام؛ فقد يكون مفردًا، وقد يكون جمعًا، وقد يكون للغائب، وقد يكون للمخاطب، خلافًا لما عليه أكثر النحويين حيث يُقَدِّرونه مفردًا للغائب ويقولون: (أنه) أي: الحال. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾ ﴿لَوْ﴾ شرطية وجوابها ﴿مَا لَبِثُوا﴾، و(لو) تأتي شرطية، وتأتي مصدرية، وتأتي بمعنى (وَدَّ كذا)؛ فتأتي شرطية مثل هذه الآية، ومثل أن تقول: لو زرتني لأكرمتك، وتأتي مصدرية إذا جاءت بعد (وَدَّ) كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: أن تدهنوا، وهذا معنيان فقط. طيب، هنا شرطية فعل الشرط فيها؟ * الطالب: ﴿مَا لَبِثُوا﴾. * الشيخ: لا، فعل الشرط ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، وجوابه ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ العمل الشاق لهم لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) وهذا واضح؛ لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أنه مات قبل أن يَخِرَّ بسبب تَأَكُّل عصاه، ولعلهم كانوا يظنون أو يَدَّعون أنهم كانوا يعلمون الغيب، فأراد الله تعالى أن يُبَيِّنَ حالهم لهم ولغيرهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، مع أن الغيب الذي حصل هنا ليس غيبًا مطلقًا، ولكنه غيب نِسْبِيٌّ؛ إذ إن مَنْ كان قريبًا جدًّا من سليمان فقد يعرف أنه مات. يقول المؤلف: (ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ﴿مَا لَبِثُوا﴾ أي ما بقوا ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ الذي أَلْحَق بهم المهانة والذل) وقال المؤلف: (الشاق بظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب) يعني: كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، فلما خر ميتًا تبيَّن لهم أنهم لا يعلمون الغيب. قال: (وعُلِمَ كونه سَنَةً بحساب ما أكلته الأَرْضَة من العصا بعد موته يومًا وليلة مثلًا) هذا جواب عما قيل: إنه بقي سنة وهو ميت ولم يُعْلَم به، يعني كأنه قال قائل: ما الذي أعلمكم بأنه سنة؟ قال: علمنا ذلك بالحساب؛ لأننا حسبنا ما أكلته الأرض يومًا وليلة من العصا فَقِسْنَا عليه ما مضى؛ فمثلًا إذا كانت تأكل في اليوم والليلة مثلًا سنتيمتر، عرفنا أنها تأكل في السنة ثلاث مئة وستين سنتيمتر، وعرفنا هذا من طول العصا، ولكن هذا في الحقيقة ليس متعينًا؛ إذ قد تأكل اليوم أكثر مما تأكله بالأمس أو بالعكس، وحتى نقول أيضًا: مَنِ الذي قال أنها أكلت في اليوم والليلة هذا المقدار حتى عُرِفَ به ما مضى؟ يحتاج إلى دليل؛ ولهذا الصواب أن ما سبق أن قلنا بأنه لا حاجة لنا إلى تقدير المدة التي لبثها سليمان، وأن مثل هذه الأمور لا يُرْكَن إليها ولا يُعْتَمد إلا إذا جاءت عن الشارع عن النبي ﷺ أو جاءت في كتاب الله، وأما ما يأتي عن بني إسرائيل في مثل هذه الأمور فإننا نقول: نقف فيه، لا نصدق ولا نكذب. ثم قال تعالى: ﴿