تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴿٤٠﴾
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤٠] ﴿مَا﴾ نافية، وهل هي حجازية أو غير عاملة؟
الجواب: غير عاملة؛ لأن العمل لـ (كان) وليس لها.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يعني رسول الله ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يقل: ما كان رسول الله، بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحَدَّث عنه باعتباره شخصًا من الناس، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فأثبت له الرسالة.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿أَبَا﴾ بالألف؛ لأنها خبر كان، ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زيد أي: والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب.
قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا أو تبنيًا وولادة؟ تبنيًا وولادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول ﷺ الثلاثة تُوفوا قبل أن يبلغوا الرجولة، كلهم توفوا وهم صغار.
وقال بعض أهل العلم: إن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فأضاف الرجال إليهم، ولم يقل: أبا أحد من الرجال؛ وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على أنه ليس أبًا لأحد من الرجال نسبًا وتبنيًا، وهذا هو الأقرب أن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأجل أن ينفي ما كان معروفًا عندهم من أن زيد بن حارثة ابن لرسول ﷺ.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ مر علينا فيما سبق ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أن بعض السلف قرأ: (وهو أبٌ لهم) فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه الآية؟
الجمع بينهما أن يقال هنا: ليس أبا أحدًا من الرجال بالتبني ولكنه أبٌ للمؤمنين باعتبار التعليم والتوجيه والإرشاد.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (﴿﴿وَلَكِنْ﴾ ﴾ كان ﴿﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ منصوبة بفعل محذوف تقديره (كان) رسول الله.
﴿رسول﴾ بمعنى: مُرْسَل أي: مرسل الله عز وجل لعباده.
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: وكان خاتم النبيين (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيًّا)، وهذا التفسير الذي ذهب إليه المؤلف فيه نظر؛ لأنه يقول: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إذن ليس له ولد بعده يكون رجلًا فيكون نبيًّا، وهذا بناءً على أنه يلزم أن يكون ابن النبي بعده نبيًّا، وهذا ليس بلازم فإن بعض الأنبياء ليس كلهم أولادهم أنبياء، صحيح أن كثيرًا من الأنبياء صار أولادهم أنبياء كإبراهيم مثلًا، ولكن لا يعني ذلك أن جميع الأنبياء يلزم من كونهم أنبياء إذا خلَّفوا أولادًا أن يكونوا أنبياء.
ولكن معنى قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نبي بعده، هذا معنى الآية التي لا يحتمل غيرها.
﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قراءتان إحداهما بالكسر والثانية بالفتح، وهي عندي بالكسرة ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾ على أن ﴿﴿خَاتِمَ﴾ ﴾ اسم فاعل؛ يعني الذي يختمهم، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختْم أي به خُتِم فتح التاء ﴿خَاتَمَ﴾، والخاتم ما يُخْتَم به الشيء مثل الخاتم الذي يكون في الإصبع وكُتِبَ عليه اسم صاحبه فإذا أراد أن يختم الكتاب ختمه بهذا الخاتم.
والنبي عليه الصلاة والسلام خاتِم وخاتَم؛ خاتِم لأنه آخرهم، وخاتَم كأنه طُبِعَ على الرسالات بعد ذلك فلا يمكن أن يأتي بعده رسالة، وهذا هو فائدة القراءتين.
وقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترون في القرآن، وفي السنة أيضًا أدلة كثيرة تدل على أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا نبي بعده.
فإن قلت: ألم يثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وهو نبي؟
فالجواب: بلى، ينزل وهو نبي لكن نبوة عيسى لم تتجدد بعد، بل كان نبيًّا من قبل أن يُرْفَع ولم يتجدد له نبوة بعد نبوة النبي ﷺ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.
وهل يأتي عيسى بشريعة جديدة؟ لا، فإن قلت: أليس يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام؟
فالجواب: بلى، وهذه الأحكام مخالفة لحكم الشريعة الآن، فهل معنى ذلك بأنه يأتي بأحكام متجددة؟ الجواب: لا؛ لأن إخبار النبي ﷺ بذلك يكون إقرارًا له فيكون هذا من سنة الرسول ﷺ؛ يعني هو من المعلوم أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي قوله وفعله وإقراره، فإذا قال ذلك عن عيسى مقررًا له صار ذلك من سنته، وحينئذ فلم يأت عيسى بنبوة جديدة ولم يأت بتشريع جديد، ولا إشكال في ذلك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فيما مضى، وأما الآن؟ لا، إذن ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان، وإنما يؤتى بها لتحقق الصفة وهي العلم.
(﴿﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴾ منه بأن لا نبي بعده) يعني: من العلم الذي علمه الله تعالى أنه لا نبي بعده؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].
وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يشمل حتى أعمال بني آدم؟ نعم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] قبل أن يعمله.
قال: (وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) (إذا نزل السيد) هل وصفه الله بالسيد؟
* طالب: نعم، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩].
* الشيخ: من هو هذا؟ ما هو يحيى؟ ما وصفه الله بالسيد في سورة آل عمران؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران ٤٥، ٤٦].
* طالب: ﴿وَجِيهًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَجِيهًا﴾. لكن ما قال: (سيد). على كل حال أنا أخشى أن هذه الكلمة دخلت على المؤلف من عبارات النصارى؛ لأنهم دائمًا يقولون: السيد المسيح، السيد المسيح. ولا شك أنه سيد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي من الأنبياء.
يقول: (يحكم بشريعته) وحينئذ لا يأتي بشريعة جديدة فلا ينافي الآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
وقد علمتم أنه يَرِدُ على قضية نزول عيسى إيرادان:
أولًا: أنه نبي، فكيف يكون نبيًّا والرسول هو خاتم الأنبياء.
وثانيًا: أنه يحصل به تغيير لبعض أحكام الشريعة، وأجبنا عن ذلك.