×

الأحزاب

الآية ٣٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىٓ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَـٰكَهَا لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِىٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا۟ مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا ﴿٣٧﴾

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تذكير النبي ﷺ بالأمور التي يحسُن أن يوعظ فيها؛ لقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ حيث قلنا: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره (اذكر). * ومن فوائدها: بيان منة الله على زيد بن حارثة بالإسلام والتمسك به حتى إن أباه وأعمامه لما جاؤوا يطلبونه وخيره النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبينه اختار أن يكون مع الرسول ﷺ. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإعتاق نعمة مِنَ المعتق على عَتِيقه وهو كذلك، والْفَرَضيون يعبرون بها -يعبرون بالنعمة- عن الإعتاق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز عطف الأمور غير الشرعية بالواو إذا اختلف المعنى، وقلنا: إن الرسول ما يُسَوَّى بين الله وبين الرسول بالواو في غير الأمور الشرعية. هنا عُطِفَ نعمة الرسول على نعمة الله بالواو مع أنها ليست من الأمور الشرعية، لكن الذي سَوَّغ ذلك اختلاف النعمتين؛ فالنعمة الأولى الإسلام والنعمة الثانية العتق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تابعة للزوج؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنها يَضُمُّها ويحرسها ويصونها وكأنها تابعة له كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: استشارة ذوي الرأي؛ لأن زيدًا استشار النبي ﷺ. * ومن فوائدها: أنه يجب على المستشار أن يبذل ما يراه -ولو باجتهاده- ما يراه هو الأولى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار على زيد بإمساكها اجتهادًا منه خوفًا من إثارة المنافقين والمشركين عليه، ولكن لا يعني ذلك أن يكون الْمُشير مصيبًا فيما يتصرف فيه، قد يخطئ فيما يتصرف فيه، لكن هو في حال إشارته يرى أن ذلك هو الصواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأفضل للزوج ألا يتعجل بالطلاق وأن يمسك عليه زوجته؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فأشار عليه بعدم الطلاق، وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام أغراض أخرى، لكن لا يمنع أن تتعدد الأسباب في الأمر بإمساكها، ومعلوم أن الله عز وجل قال في كتابه المبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ وأنها رسالة حق؛ لقوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا -وحاشاه من ذلك- لكان يَكْتُم مثل هذه الأشياء؛ لأنها صعبة في حقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يفعل خلاف ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام عليه؛ بمعنى أن اجتهاد النبي ﷺ قد يكون مخالفًا لما يريده الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فالرسول أخفى في نفسه هذه الأمر لكن الله تعالى خالفه في ذلك فأبداه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن خوف الناس قد يقع من الأنبياء ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾. * ومنها: وجوب تقديم خشية الله عز وجل على خشية كل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؛ فالواجب على المرء ألا يخاف في الله لومة لائم وأن يتقيَ الله عز وجل في بيان الحق والعمل به، لا يَقُل: إن الناس يشمتون بي، إن الناس يسخرون مني، إن الناس يستهزؤون بي، وليكن ذلك فإنه لا يزداد بهذه السخرية والاستهزاء إلا رفعة عند الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصح التزويج حتى ينتهي حق الزوج الأول من الزوجة بالكلية؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكان التزويج بعد انتهاء زيد منها بالكلية، ولا يَرِدُ على ذلك أن يقال: إن ظاهر الآية جواز التزويج بعد الطلاق مباشرة؛ لأن نقول: إن الوطر والحاجة ما تنتهي إلا بانتهاء العدة؛ إذ إن الإنسان لو أراد أن يرجع إلى زوجته في العدة وهي رجعية لحصل له ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العظمة لله عز وجل والسلطان؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لما له من العظمة والسلطان. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة زينب رضي الله عنها؛ حيث زوجها الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ، ما وجهه؟ أن غيرها يزوجه أولياؤه وأهلها، وأما هي فقد تَوَلَّى الله عز وجل تزويجها، وهذه منقبة عظيمة لها. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب عبده أكثر من عمله؛ لأن هذه المرأة -كما سبق- تزوجت زيد بن حارثة مع أن زيدًا من الموالي وهي من صميم العرب وقد يكون في ذلك غض من حقها ومرتبتها، فرفع الله تعالى من شأنها؛ حيث زوَّجها رسوله محمدًا ﷺ هو بنفسه تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا رفعة من شأنها؛ فهي بعد أن كانت تحت هذا المولى -وهي من صميم العرب وكان في ذلك شيء من الغضاضة عليها- رفع الله من شأنها بهذا الأمر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ثَبَت في حق النبي من أحكام فهو ثابت في حق الأمة، منين نأخذها؟ ما وجه ذلك؟ * الطالب: وجه ذلك أن هذا الحكم ثابت له وللمسلمين. * الشيخ: نعم؛ لأنه هذا الحكم خوطب به الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم.. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فدلَّ ذلك على أن ما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فأمته تبع له إلا ما قام الدليل على تخصيصه. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل بزوجة مَنْ تبناه، منين تؤخذ؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن ابن التبني لا يُسَمَّى شرْعًا ابنًا، وما سماه الله ابنًا؛ لقوله: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾ وقوله في أول السورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]، ويتفرع على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن هذا القيد ليس لإخراج ابن التبني؛ لأنه ما دخل في الأبناء حتى يحتاج إلى إخراجه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل الأمر الكوني لا بد أن يقع. السؤال موجه الآن إلى واحد. * طالب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]. * الشيخ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، لو قال قائل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف فيعُمُّ الأمر الكوني والشرعي، فبماذا نجيبه ونحن قد خصصناه الآن بالأمر الكوني؟ * الطالب: أن الله سبحانه وتعالى يذكرها ولا تتحقق؛ الأمور الشرعية. * الشيخ: الشرعية. صح. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن الأمر الشرعي ليس مفعولًا لكل أحد، بل فيه مَنْ لا يفعله. ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب ٣٨] إلى آخره. * يستفاد منها؛ من الآية الكريمة: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما أحلَّ الله له وإن كان مخالفًا لما يعتاده الناس؛ لعموم قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ و﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ لأن (ما) اسم موصول، فكل ما أحل الله للرسول فلا حرج عليه فيه. * ويستفاد منه أيضًا: أنه لا حرج على الإنسان غير الرسول فيما أحل الله له، لا حرج عليه فيما أحل الله له منين يؤخذ؟ لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا بدليل ولكن يجب على الإنسان أن يراعي أحوال الناس وما يُسْتَنْكَر عليه فيه حتى لا يعرِّض نفسه للذم والقدح، فمراعاة أحوال الناس أمر لا بد منه إلَّا في الأمور الشرعية فإن الواجب على المرء إبانتُها وإظهارها. * طالب: ألا يخصص هذا بحديث: (...)؟ * الشيخ: نعم، لا، كيف دنيا ويش معناها؟ * الطالب: يعني في مسألة الزواج كونهم يتعففون عن الزواج بزوجة من التبني قد يدخل في الأمور الدنيوية. * الشيخ: إي، هو من الأمور الدنيوية؛ لأن الله ما حرمها. * الطالب: ولذلك لماذا لا نقول: ليس عليه حرج فيما (...)؟ * الشيخ: لا فيما أحل الله له خاصة. * طالب: الحلال يتعلق (...). * الشيخ: نعم، وفيما حرم الله عليه عليه حرج. * الطالب: مسألة الذم والقدح فيما أحل الله له كيف.. * الشيخ: نعم، ذَمَّ الناس له، ما هو ذم الله؛ يعني: بعض الأشياء المحللة إذا فعلها الإنسان صارت خارجة عن المروءة في عُرْف الناس، فمراعاة هذا الأمر ما نأخذه من هذه الآية، مراعاة هذا الأمر أمر لا بد منه؛ يعني: افرض أن هناك شيئًا حلالًا لكن الناس ينتقدونه عليك، ما هو من الأمور الشرعية التي لا بد من إبانتها فالأفضل للإنسان أن يَدَعَ هذا. * الطالب: ألا يخصص هذا بحديث: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ»[[أخرج ابن ماجه (٢٩٥٥) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: «هو من البيت» قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: «عجزت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم؟ قال: «ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاؤوا، ويمنعوه من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهد بكفر، مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره، فأدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض».]]؟ * الشيخ: لا، هذه من مراعاة المصالح، من دفع المفاسد؛ لأنه إذا تحققت المفسدة فإن المفسدة لا يجوز أن الإنسان أن يمارسها، يجب عليه الكف عنها فلا تكون داخلة في ما أحل الله له. * ويستفاد من الآية الكريمة: تكليف النبي ﷺ وأنه يلحقه الحرج فيما لم يُحِلَّه الله له؛ لقوله ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ فيستفاد من هذا أن الرسول ﷺ عبد من عَبِيدِ الله أو من عباد الله لا يخرج عن طاعته وشريعته كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن الرسول محمدًا ﷺ عَبْدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يكذب. وهو كذلك، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية. (...) البيان بالفعل أبلغ من البيان بالقول أو لا؟ لو تلحقونها. ذُكِرَت؟ ما أظن ذكرناها. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) بالفوائد، إن البيان بالفعل أبلغ وأقوى من البيان بالقول، من أين يؤخذ؟ من كون الله تعالى زوَّج زينب بنت جحش رسولَه ﷺ فإن هذا أبلغ في الطمأنينة وثبوت الحكم. سبحان الله! هل ذكرنا أن في الآية دليل على أنما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم فهو ثابت للأمة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ذكرناه وبيَّنا وجه الدلالة، وبيَّنَّا أن أمر الله الكوني لا بد من وقوعه. إذن ﴿