تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾
يَـٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَـٰعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ﴿٣٠﴾
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾، وهذا هو الحال الثانية لهن، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ولم يقل: لكن، بل قال: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ فأَظْهَرَ في موضع الإضمار؛ ليتبين أن هذه الإرادة إحسان، وأنهن إذا أَرَدْنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن ذلك من الإحسان، وأن الله أَعَدَّ للمحسنات منهن أجرًا عظيمًا، و(مِنْ) هنا ليست للتبعيض ولكنها للبيان، فتشمل ما لو أَرَدْنَ كلهن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله يُعِدّ لهن جميعًا أجرًا عظيمًا.
فبدأ أول ما بدأ بأَحَبِّ نسائه إليه، وهي عائشة رضي الله عنها، وقال لها: «لَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجِلِي فَتَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف أنها شابة صغيرة أنها تتعجل وتقول: أريد الدنيا، فطلب منها ألَّا تتعجل حتى تستأمر أَبَوَيْهَا، يعني تستأذنهما.
ومعلوم أن أبويها لا يريدان لها أن تختار الدنيا وزينتها على الله ورسوله والدار الآخرة، ولكنها رضي الله عنها كان لها على صِغَرِ سِنِّها نظرة بعيدة، فقالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أستأمر أبوي؟ يعني: هذا أشاور فيه أَبَوَيّ؟ لا، إنما أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولكن لا تُخْبِر نساءك بما قلتُ.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَلَا مُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُنِي فَسَأُخْبِرُهَا»[[أخرج مسلم (١٤٧٨ / ٢٩) بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ، وقال: «هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا - أو تسعًا وعشرين - ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألَّا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلتُ، قال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا».]]، لكن كل نسائه ما سَأَلْنَه، كل امرأة تقول: إنها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، فصِرْنَ على الحال الكاملة رضي الله عنهن على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من شَظَف العيش وقلة ذات اليد، ومع هذا وَفَّقَهُنّ الله ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شك من عناية الله برسوله أن اختار له مثل هؤلاء النساء، فكان جزاؤهن أن الله قال له: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فهؤلاء النسوة اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خُيِّرْنَ مع ما في ثواب الآخرة هذا الجزاء الدنيوي أن الرسول مُنِعَ من أن يتزوج بعد ذلك بأحد من النساء، أو يبدل واحدة بامرأة جديدة، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢] والله أعلم.
(﴿﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ بفتح الياء وكسرها، ﴿﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ ﴿﴿مُبَيَّنَةٍ﴾ ﴾، أي: بُيِّنَت، أو هي بينة، ﴿﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴾، وفي قراءة ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ بالتشديد، وفي أخرى ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ بالنون معه –أي: مع التشديد، ونصب العذاب) ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ﴾ ﴾.
ففيها إذن ثلاث قراءات: ﴿يُضَاعَفْ﴾ و﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ و﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾، فعلى القراءتين الأوليين يكون ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع، ﴿يُضَاعَفْ﴾ أو ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾، ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع نائب فاعل، وعلى القراءة الثالثة ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ يكون ﴿﴿الْعَذَابَ﴾ ﴾ بالنصب على أنه مفعول به.
تقول: ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴾ (ضِعْفَيْ عذاب غيرهن، أي: مثليه، ﴿﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴾).
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ النداء من الله عز وجل مُوَجَّهًا إلى زوجات الرسول ﷺ، وذلك لأهمية ما سَيُوَجَّه إليهن، ولتنبيههن على ما سيُلْقَى إليهن.
﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿يَأْتِ﴾، و﴿يُضَاعَفْ﴾ جواب الشرط.
وقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ ما المراد بالفاحشة، هل المراد بالفاحشة الزنا؟ أو المراد بالفاحشة الكلام البذيء والمتطاوَل فيه على رسول الله ﷺ، والخارج عن المروءة، أو المراد هذا وهذا؟
قال بعض أهل العلم: إن المراد الأخير، ولا يراد به الزنا، مع أن الفاحشة تأتي في القرآن مرادًا بها الزنا، وتأتي مرادًا بها بذاءة اللسان والتطاول، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء ١٥]، ما المراد بالفاحشة هنا؟ الزنا.
وقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق ١]، والمراد بالفاحشة هنا بذاءة اللسان وسلاطته، فإذا كانت بذيئة اللسان سليطته، تأتي بكلمات خارجة عن المروءة، فلزوجها أن يُخْرِجها من البيت أثناء العدة.
هذه الآية إن قلنا بأنها تشمل الفاحشة التي هي الزنا، والفاحشة التي هي بذاءة اللسان، فإن ذلك لا يعني أنه يقع منهن؛ لأن الشرط لا يلزم وقوعه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وهل يمكن ذلك؟ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، هل يمكن ذلك ؟ لا يمكن، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، لا يمكن هذا أيضًا، فالإتيان بالشيء مُعَلَّقًا بالشرط لا يلزم منه جواز وقوع الشرط، وعلى هذا فلتكن الآية: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ فلتكن شاملة للزنا، لكن هذا شيء محال، أما إذا قلنا: إن المراد بالفاحشة هو سلاطة اللسان والخروج بالقول عن المألوف والمروءة، فهذا قد يقع من النساء، حتى من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولا عيب عليهن في ذلك؛ لأنه من طبيعة النساء الغَيْرَة وعدم حفظ اللسان، وعدم التأني بالأمور، وأَيًّا كان فإن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، وذلك لشرفها وعُلُوّ منزلتها، فكان الذنب منها أعظم من الذنب من غيرها، ولهذا إذا زَنَت الحرة تُجْلَد أو تُرْجَم، وإذا زنت الأمة فليس عليها إلا نصف ما على المحصنات من العذاب؛ لشرف الأولى، وانحطاط مرتبة الثانية، فزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لهن من المقام الرفيع، والحصن المنيع ما يقتضي أن يضاعَف العذاب عليهن إذا أَتَيْنَ بفاحشة مُبَيِّنَة، فلهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
فإذا كان جزاء السيئة سيئة مثلها، فجزاء السيئة التي ذكر الله هنا -الفاحشة الْمُبَيِّنة- بالنسبة لزوجات الرسول سيئتان، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، أي: يُكَرَّر عليهم مرتين، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: تضعيف العذاب عليهن، ﴿كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾، فالمشار إليه هو تضعيف العذاب، كان ذلك يسيرًا على الله ليس صعبًا عليه.
لماذا قال: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾؟ لئلَّا يظن ظانٌّ أن هذا أمر صعب على الله؛ لكون الأمر يتعلق بزوجات نبيه محمد ﷺ، فبَيَّنَ الله عز وجل أن هذا أمر يسير عليه؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين خلقه نسب، أكرم الخلق عنده أتقاهم له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، هذا عكس الأول، لَمَّا قلنا: إذا أَتَيْنَ بفاحشة مبينة ضُوعِفَ العذاب عليهن، جازاهن الله تعالى بالعدل من جهة أخرى، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
(﴿﴿يَقْنُتْ﴾ ﴾: يُطِعْ)، ولكن القنوت لله تعالى غير القنوت للرسول عليه الصلاة والسلام، القنوت لله قنوت عبادة وتَذَلُّل وتعظيم، والقنوت للرسول عليه الصلاة والسلام قنوت طاعة الزوج، وليس هو كقنوتهن لله عز وجل.
﴿مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿لِلَّهِ﴾ بالطاعة والعبادة، ولرسول الله ﷺ بأداء حقوقه التي تجب للزوج على زوجته.
﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما كان خالصًا صوابًا، والخالص الصواب يعني أنه جمع بين الشرطين الأساسيين في كل عبادة، وهما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، كل عبادة لا بد فيها من هذين الشرطين، فمن اتبع للرسول ولم يُخْلِص لله فصلاته باطلة؛ لأنها رياء، ومَن أخلص لله ولم يتبع الرسول ﷺ فصلاته باطلة أيضًا، فعبادته باطلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
إذن ما هما الشرطان الأساسيان في صحة العبادة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، فالمتابعة مع الإخلاص؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، فإذا وُجِدَ متابعة بدون إخلاص؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا يقبل العمل، إخلاص بلا متابعة لا يُقْبَل، لا بد من الأمرين، وهكذا كلما ذكر الله عز وجل عملًا صالحًا فالمراد بالصالح ما تضمن هذين الشرطين الأساسيين.
قال الله عز وجل: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، ﴿نُؤْتِهَا﴾ لم يقل: نُؤْتِيهَا، بالياء، لماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: جواب الشرط، وهو قوله: ﴿مَنْ يَقْنُتْ﴾، وجواب الشرط يكون مجزومًا، والفعل هنا مجزوم بحذف حرف العلة، وأصله: نُؤْتِيهَا، فلما جُزِمَ حُذِفَ حرف العلة ﴿نُؤْتِهَا﴾، فمعنى ﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نُعْطِهَا، ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول (ها)، والثاني ﴿أَجْرَهَا﴾.
(﴿﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ﴾ أي: مِثْلَيْ ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتانية في ﴿﴿تَعْمَلْ﴾ ﴾).
* طالب: (...).
* الشيخ: تحتانية في ﴿تَعْمَلْ﴾: ﴿﴿وَيَعْمَلْ﴾ ﴾، وفي ﴿نُؤْتِهَا﴾ يعني: و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾، والقراءة هذه سبعية حسب اصطلاح المؤلف، و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾ أي: الله، و﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نحن، فالضمير يعود على مَن؟ على الله، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، كما أنها إذا أتت بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، فإذا قنتت لله ورسوله وعملت صالحًا آتاها الله تعالى أجرها مرتين، وإيتاء الأجر مرتين ليس بغريب، فقد أثبت الله تعالى الأجر مرتين في عدة مسائل، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل من أهل الكتاب إذا آمَن بكتابه، ثم آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى يُؤْتِيه أجره مرتين.
وقال كثير من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]: إن هذا هو أجر هذه الأمة يضاعَف على غيرها مرتين، والمهم أن فضل الله تعالى واسع، قد يُثِيبُ العامل أجره مرتين لسبب من الأسباب.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا في الحديث.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هي التي قرأناها: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص٥٤ ٥٥] .
يقول: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: هَيَّأْنَا لها، ﴿رِزْقًا﴾: عطاءً، ﴿كَرِيمًا﴾: حسنًا وكثيرًا؛ لأن الكرم في كل موضع بحسبه، فالكريمة من الشاة معناها الحسنة الجميلة الكثيرة اللبن، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/٢٩)، من جديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وهنا المراد بالرزق الكريم العطاءُ الكثير الحسَن الجميل، وهذا إنما يكون كما يقول المؤلف: (في الجنة زيادةً).
ثم قال الله تعالى (...).
* يستفاد منها: وجوب تخيير النبي ﷺ زوجاته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾.
* ومن فوائدها: حماية الله سبحانه وتعالى لرسوله ودفاعه عنه، حيث أمره أن يُخَيِّر أزواجه هذا التخيير لَمَّا ضَيَّقْنَ عليه وطَلَبْنَ منه النفقة.
* ومن فوائدها: بيان فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ لأنهن اخْتَرْنَ الله ورسوله والدار الآخرة.
* ومن فوائدها: كمال خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أمره الله أن يقول: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، فإنما كان مقتضى الحال أن يُوَبَّخْنَ على ذلك، وأن يُؤَنَّبْن عليه، لكنه قيل: ﴿تَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾.
* ومن فوائدها: حِلّ زوجات النبي ﷺ لغيره لو اخترن الحياة الدنيا وزينتها؛ لقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها -﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ -: أن إرادة الله ورسوله والدار الآخرة من الإحسان؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النية لها أثر عظيم في زيادة الثواب؛ لأنه رَتَّبَ هذا الثواب على هذه الإرادة والنية الطيبة.
ثم قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الذنب من المقرَّبِين أشد من الذنب من غير المقرَّبِين، من أين يؤخذ؟ من كون الله يقول: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
* ومن فوائدها: حماية فِرَاش النبي ﷺ التامّة؛ لكون المرأة إذا أتت بفاحشة مُبَيِّنة من زوجاته فإن الله يضاعف لها العذاب، كل ذلك من أجل حماية فِرَاش النبي ﷺ، وسواء قلنا: إن المراد بالفاحشة الزنا، أو المراد بها بذاءة اللسان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له أن يفعل ما يشاء في مضاعفة الثواب والعقاب، وأن هذا الأمر عليه هَيِّن؛ لقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿