×

الأحزاب

الآيات ٢٤–٢٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لِّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٢٤﴾

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا۟ خَيْرًا ۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴿٢٥﴾

لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في المجازاة على العمل؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، فإن الباء للسببية، والْمُسَبَّب مربوط بالسبب، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويزداد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وأنهم أهل للجزاء الحسَن؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾؛ الصادقين في العقيدة وفي القول، أيش بعد؟ وفي العمل، وقد أمر الله بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حَاثًّا على الصدق: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. والصدق كما أنه محل ثناء من الله عز وجل، ومحل ثواب جزيل، فإنه محل ثناء من الخلق، ولهذا تجد الصادقين تُنْشَر آثارهم، وتُؤْثَر أقوالهم، ويُثْنَى عليهم في المجالس حتى بعد موتهم، بخلاف أهل الكذب -والعياذ بالله- والنفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصدق، ولا تظن أن الصادق يَخِيبُ أبدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان أنه لو صَدَق لكان في ذلك ضرر عليه، فليكن كاذبًا، أو فليكذب، فإن هذا من وساوس الشيطان، فالصدق مَنْجَاة، ولهذا قال أحدهم: رأيت في الكذب نجاةً، فقال الثاني له: فالصدق أَنْجَى، وصدق. واعلم أن الصادق وإن كان قد يكون الأمر مُرًّا عليه في أول أمره، لكنه تكون العاقبة له في النهاية، وإذا أردت مثلًا على ذلك فانظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، كيف كان أول أمرهم؟ كانوا في تلك المرارة العظيمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وتَنَكَّرَت الأرض لهم. حتى يقول كعب بن مالك: «حتى كأن الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا هم الناس الذين أعرفهم»[[أخرج أحمد (٢٧١٧٥) بسنده عن كعب بن مالك قال: ... فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف. الحديث.]]، ضاقت عليه الأرض، والنتيجة أنه نزلت فيهم آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة، لولا هذا الصدق ما بقيت هذه الآيات، حتى قيل للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، عندما ذكرت قصتهم، هذه نهاية عظيمة جدًّا للصادقين، فأنت اصدق وإن حصل عليك ضرر في أول أمرك، لكن العاقبة لك، لا تُعَوِّد نفسك الكذب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: ذم النفاق وأنه سبب للعذاب؛ لقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾. * ويستفاد منه: أن المنافِق له توبة؛ لقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يشاء أن يُعَذِّبهم إذا ماتوا على النفاق، أما إذا تابوا فقد شاء ألَّا يعذبهم، ولكنكم كما سمعتم التفسير على هذه الآية توبة المنافق ذُكِرَ فيها شروط لا بد من مراعاتها، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٦]، لا بد أن تظهر هذه الأمور على المنافق، وإلا فإن توبته لا تُقْبَل في الدنيا، أما في الآخرة فأَمْرُه إلى الله، لكن في الدنيا ما نقبلها إلا إذا ظهرت عليه هذه الأوصاف التي اشترطها الله عز وجل. * ويستفاد من ذلك: ترغيب المنافق بالتوبة؛ لقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، منافق خَادِع خاذِل ماكِر، ومع ذلك يقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دليل على أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولهذا أولئك الذين يعذِّبون أولياءه ويحرقونهم بالنار يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، وكذلك الذين قالوا ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ عرض الله عليهم التوبة، كل هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحب العفو أكثر من الانتقام. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وما تَضَمَّنَاه أيضًا من الصفتين، وهما المغفرة والرحمة، وما يتعلق بهما من حكم وأَثَر، وهو أنه يغفر ويرحم، فالاسمان هذان الكريمان الغفور الرحيم من الأسماء المتعدية التي لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة، وهي؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، صح، أسماء الله تعالى نوعان: مُتَعَدٍّ ولازم، فالمتعدي لا يتم إيمانك به إلى بأمور ثلاثة: أن تؤمن به اسمًا لله، وأن تؤمن بما تضمنه من صفة، والثالث: أن تؤمن بما تضمَّنَه من الحكم والأثر؛ الغفور تؤمن بأن الغفور من أسماء الله، وأنه تعالى ذو مغفرة، والثالث: وأنه يغفر، ومثله الرحيم. النوع الثاني: إذا كان غيرَ متعدٍّ فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنه من الصفة، مثل: العَلِيّ، العظيم، الكريم، وما أشبه ذلك، وربما نقول: إن الكريم من النوع الأول. في الآية إشكال ما أدري هل أوردتُه وأجبتُ عنه، وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿كَانَ اللهُ﴾ يعني: والآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن كيف نجيب عن قوله: ﴿كَانَ اللهُ﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما للاستمرار، (كان) ما تأتي للاستمرار في حد ذاتها. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أنا قلت محقق أن الله كان غفورًا رحيمًا، لكن (كان) فبانَ. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن (كان) يراد بها أحيانًا اتصاف اسمها بخبرها، بقطع النظر عن الزمن، وهو ما تُعْرَف بمسلوبة الزمن، يعني: ما يراد بها الزمن إطلاقًا، بل يراد بها تحقُّق هذا الوصف، (كان) يعني: ثَبَتَ، عرفتم؟ فــ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: أنه عز وجل لم يَزَل ولا يزال كذلك غفورًا رحيمًا، أظن ما يمكن أن نكمل.. * طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أنهم رجال (...)؟ * الشيخ: قد نقول –مثلًا-: إن الرجال حصل الثناء بالتنكير الدالّ على التعظيم، أما مجرد كلمة (رجال) فتُطْلَق على المؤمن وغير المؤمن. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكني ما أذكره الآن، العدد هو أربعة أو خمسة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، كانوا منافقين فمَنَّ الله عليهم فتابوا من النفاق، لو رجعت إلى التفسير ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] تجد فيها هذا. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث رد هذه الأحزاب الكثيرة العظيمة مع ما في قلوبهم من الغيظ والحنق الشديد على رسول الله ﷺ وأصحابه، رَدَّهم الله عز وجل بغيظهم، ما اشتفوا ولا نالوا مرادهم، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾، ولهذا أثنى النبي ﷺ على ربه بهزيمة الأحزاب، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الأحزاب قد امتلأت قلوبهم غيظًا على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمصاحبة والملابسة. * ومن فوائدها: أنهم –أي: الأحزاب- لم ينالوا مع هذا التعب الشديد خيرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائم وغيرها، ولا نالوا خيرًا في الآخرة من الأجور والثواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كفى المؤمنين القتال بعد هذه الغزوة، ولهذا لم يقاتل النبي ﷺ أحدٌ من المشركين بعد تلك الغزوة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا»[[أخرجه البخاري (٤١١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.]]؛ لأن الله قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغزوة وفيما بعدها، فإن العرب لم يقوموا بغزوٍ لرسول الله ﷺ بعد هذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. وما وجه اختصاص ذلك بالمؤمنين؛ من أين يؤخذ من الآية أنه خاص بالمؤمنين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، خَصَّهُ بالمؤمنين، فدَلَّ هذا على أن كفاهم القتال لإيمانهم، فالمؤمنون يكفيهم الله عز وجل ما أهَمَّهُم ويدافع عنهم لإيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القوة والعزة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هذين الاسمين من أسمائه، وهما القوي والعزيز. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مِنَّةٌ أخرى على المؤمنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدروا من اليهود من بني قريظة من حصونهم اللاتي تَحَصَّنُوا بها؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، خلوه هو يتم لأنه الظاهر إنه راح يتهوجس في البيت. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين موالون للمشركين؛ لأن بني قريظة والَوا الأحزاب وظاهَرُوهم على رسول ﷺ مع ما عليهم من العهد والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في القلوب من أعظم الهزيمة؛ لقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة الى انحطاط هؤلاء اليهود وذُلِّهم، ونزولهم من الأعلى إلى الأسفل، ﴿