تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًا ﴿٢٣﴾
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ على الثبات مع النبي ﷺ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، يعني: ما حصل منهم تبديل لا بالنقض بالكلية ولا بالتغيير، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، والتبديل يكون بالتَّرْك كليَّةً، ويكون بالتغيير بالنقص أو بالزيادة، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال المؤلف: (وهم بخلاف حال المنافقين)؛ لأن حال المنافقين على العكس، يعاهدون الله ولا يوفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥-٧٧] ، أما المؤمن فإنه يَفِي بما عاهد الله عليه.
قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هذه للتعليل، يعني أن الأمر يقع كذلك على الوفاء وعلى النقض، على الوفاء مِمَّن؟ من المؤمنين، وعلى النقض من المنافقين، وقع هذا ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ولولا اختلاف الناس في الأعمال ما اختلفوا في الجزاء، ولو لم يختلفوا في الجزاء ما كان لِخَلْق الجنة والنار فائدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله عز وجل حكيم، «خَلَقَ الجنة وخلق لها سكانًا، وخلق النار وخلق لها سكانًا»[[أخرج مسلم (٢٦٦٢) بسنده عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «أوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا».]]، وسكان هذه وهذه لا بد أن يكون لهم أعمال يقومون بها حتى يستحقوا أن يكونوا من أهلها.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، الباء هنا للسببية وليست للعِوَض؛ لأن الجزاء على الأعمال ليس من باب المعاوضة، ولكنه من باب قَرْن الْمُسَبَّب بسببه؛ لقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٦ / ٧١) وأحمد (٧٤٧٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
فالأعمال الصالحة أسباب، وإلا فلو أن الله عز وجل أراد أن يعاوِضَنَا على أعمالنا معاوضة بمعنى المعاوضة لكان لو قابلنا بنعمة واحدة من نعمه علينا ما قابلتها كل أعمالنا، ولكن الأعمال سبب.
وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الجزاء بالصدق فسيكون على حسب ذلك الصدق، فالذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه يكون جزاؤهم على صِدْقِهم بحسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطْوَعَ لله عز وجل وأشد تنفيذًا لأوامره وأكثر فعلًا لطاعته صار جزاؤهم أكثر، والعكس بالعكس.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، المنافق مَن؟ هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، مأخوذ من النافِقَاء وهي نافقاء اليربوع التي يجعلها في جُحْرِه، حتى إذا أتاه أحد من بابه خرج من هذه النافقاء.
(﴿﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ ﴾ بأن يميتهم على نفاقهم)، أشار المؤلف في قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) إلى أن تعذيب المنافقين المعلَّق بالمشيئة هنا ليس المعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يعذبهم وقد ماتوا على النفاق، لا، إذا ماتوا على النفاق فقد أخبرنا الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار، وليسوا تحت المشيئة، فيكون قوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأن يبقوا على نفاقهم حتى يموتوا، فإذا بقوا على نفاقهم إلى الموت علمنا أن الله قد شاء تعذيبهم، أما إن هداهم الله فإن المنافقين قد يهتدون، فلهذا قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤] بأن يوفِّقَهم للتوبة.
والصواب كما مَرَّ علينا كثيرًا أن المنافق تصح توبته، وهي نص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦]
فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنّ عليهم بالتوبة فيتوبوا، وحينئذ لا يُعَذَّبُون.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿غَفُورًا﴾ هذه اسم فاعل على صيغة المبالغة، يعني: كثير المغفرة، ويجوز أن تكون صفة مُشَبَّهَة، أي: ذو مغفرة، فالصفة المشبهة أبلغ من اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يدل على الفعل، والصفة المشبهة تدل على الوصف، أي: على اتصاف مَن هو وصفه بها دائمًا.
وقوله: (﴿﴿غَفُورًا﴾ ﴾ لمن تاب)، فيه شيء من النظر؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لمن لم يتب ممن هو تحت المشيئة، كفاعل المعاصي، ولو أن المؤلف رحمه الله أبقاها على إطلاقها لكان أسلم له، فنقول: ﴿غفورًا﴾ أي: كثير المغفرة، أو: ذو مغفرة مُتَّصِفٌ بها دائمًا.
وهذا أقرب كما قلت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦].
وقوله: (﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ به)، يقول: (به) أي: بمن تاب.
والصواب أنه رحيم بِمَن تاب وبغيره، وأن رحمة الله عز وجل بالمعنى العام تشمل المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، وكل أحد فإنه داخل في رحمة الله، هذا بالمعنى العام، أما المعنى الخاص فإن الرحمة تختص بالمؤمنين.
قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب ٢٥]، رَدَّهُم أي: أرجعهم على أدبارهم خائبين.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب من قريش وغيرهم.
وقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للملابسة، أي: مُتَلَبِّسِين بالغيظ، فالجارّ والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني أنهم رجعوا مُغْتَاظِين غاية الغيظ، ووجه اغتياظهم أنهم جاؤوا بهذا الجمع الكثير الذي لم يُشْهَد له نظير في ذلك الوقت، يريدون ماذا ؟ يريدون القضاء على النبي ﷺ، ومع ذلك ما الذي حصل لهم؟
حصل لهم التعب والعَنَت والجوع والبلاء، وآخر الأمر أن رجعوا هاربين، ولا شك أن مثل هذا سوف يؤثر على الإنسان، سوف يملأ قلبه غيظًا وحسرة وندمًا، كيف يأتي بهذا الجيش الذي جمعه لهم وأبدأ فيه وأعاد، وآخر الأمر أن ينقلب ولا يكون معركة، ولهذا قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، خيرًا منين؟
خيرًا لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة؛ أما أمر الآخرة فإنهم لم ينالوا خيرًا؛ لقتالهم للنبي ﷺ على كل حال، وأما أمر الدنيا فالذي يرونه هم خيرًا لأنفسهم فهل نالوه؟ لا، فهم ما نالوا خيرًا لا في الدين ولا في الدنيا ولله الحمد، حتى ما يظنونه خيرًا من هزيمة رسول الله ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصل لهم ذلك، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾.
وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق النفي، ﴿لَمْ﴾ فتفيد العموم، يعني: ما نالوا أي خير لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نعمة الله عز وجل.
وأضاف الله الرد إلى نفسه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأن رجوعهم ليس بحول النبي ﷺ ولا قوته، ولا بحول أصحابه ولا قوتهم، ولكنه بحول الله تعالى وقوته، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥].
يقول المؤلف: (﴿﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ﴾ مرادهم من الظَّفَر بالمؤمنين).
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، الحمد لله، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني: أن الله أراح المؤمنين من القتال فلم يقاتلوا، وأما ما حصل من المناوشات التي حصلت لبعض الصحابة مع بعض المشركين فهذا لا يُعَدّ قتالًا؛ لأن الكلام على الجيش كله جمعاء، فإنه لم يحصل فيه قتال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وهو نِعْم الْحَسْب، وهو الكفيل سبحانه وتعالى، قال: (بالريح والملائكة)، الريح سبق أن الله تعالى أرسل عليهم الريح الشرقية باردة شديدة، وأنها كفأت قُدُورَهم، وزلزلت خيامهم، ورَمَتْهُم بالحجارة تحملها الرياح مع البَرد الشديد، حتى كانوا يصطلون بالنار ويقولون: النجا النجا، فهذه الريح، أما الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الملائكة عليهم بأن تلقي في قلوبهم الرعب والفزع والخوف، وتَحُوشَهم حتى ينصرفوا من المكان، وهذا من نصر الله عز وجل للرسول ﷺ.
(﴿﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٥] على إيجاد ما يريده، ﴿﴿عَزِيزًا ﴾ ﴾ غالبًا على أمره).
﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القوة صفة يتمكن بها القوي مِن فِعْل ما يريد بدون ضعف، وهي أعلى من القدرة؛ لأن القدرة صفة يتمكن بها القادر مِن فِعْل ما يريد بدون عجز، فالقوة أعلى، وانظر إلى رجلين حَمَلَا صخرة، فأحدهما حَمَلَهَا لكن مع نوع من المشقة، فنقول: هذا قادر ولكن ليس بقوي، والآخر حَمَلَهَا وكأنها شيء بسيط، نقول: هذا قوي.
وقوة الله عز وجل لا منتهى لها، ولا مقياس لها، بل هو فوق ما يتصوره الإنسان، لَمَّا قالت عادٌ: ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
وأما قوله: ﴿﴿عَزِيزًا﴾ ﴾ يقول: (غالبًا على أمره)، العزيز من أسماء الله تعالى له ثلاثة معانٍ: عزيز القدر، وعزيز القهر، وعزيز الامتناع.
أما عزيز الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء أو نقص في جميع صفاته وجميع أفعاله.
وأما عزة القدر فمعناه أنه ذو قَدْر عظيم رفيع، مثلما تقول: فلان عزيز النفس؛ يعني له عزة وتَرَفُّع عن الدنايا.
وأما عزة القهر فتأتي معناها الغلبة، فمعناها أنه غالب على كل شيء، حتى في الجاهلية يقول الشاعر:
أَيْنَ الْمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــالِـــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ
فالله عز وجل هو الغالب على أمره، وهو غالب على كل شيء، لا شيء يكون أمام غلبته، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، وكلها ثابتة لله عز وجل.
قال: (﴿﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ﴾ أي: قريظة، ﴿﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ﴾ حصونهم، جمع صِيصَة؛ وهو ما يُتَحَصَّنُ به، ﴿﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٦]).
﴿أَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الله، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم، والمظاهرة بمعنى المساعدة، وتظاهَر على كذا، تظاهر أي: تساعد وتساند عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: مساعدًا ومُعِينًا.
وقوله: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم من أهل الكتاب.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، لكن المراد بهم هنا في الآية طائفة من اليهود، وهم بنو قريظة، وسبق أن بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ثلاث قبائل من اليهود قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم ساكنون فيها، فأجرى بينهم وبينه عهدًا، ولكنهم نقضوا ذلك العهد، ولم يَبْقَ إلا بنو قريظة، ثم إن بني قريظة نقضوا العهد بمساعدتهم مَن؟ الأحزاب على رسول الله ﷺ.
ولما رجع النبي ﷺ من الأحزاب ودخل بيته واغتسل جاءه جبريل وقال له: «اخرج إلى هؤلاء، يشير إلى بني قريظة، فإنهم نقضوا العهد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالخروج، وقال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[أخرج البخاري (٢٨١٣)، ومسلم (١٧٦٩) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، فقال رسول الله ﷺ: «فأين»، قال، هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة... الحديث. وانظر الثقات لابن حبان (١ / ٢٧٤).]].
ما توانى الصحابة رضي الله عنهم ولا تأخروا، مع ما هم فيه من التعب والضعف، فخرجوا فحاصَروا بني قريظة لمدة نحو عشرين يومًا، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه.
يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بـ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: أنزل هؤلاء من صياصيهم، أي: من مَآمِنِهم، والأصل في صياصي حظائر البقر؛ لأنها تُؤَمَّن فيها، فـ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من مَآمِنِهم وحصونهم التي يُتَحَصَّن فيها، ولكن ذلك لم يُغْنِهِم من الله شيئًا، أنزلهم من صياصيهم.
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، ﴿قَذَفَ﴾ بمعنى: رمى، وهو أشد وقعًا من قوله: وضع، يعني لو قال: وضع في قلوبهم الرعب، أفاد أن الرعب صار في القلوب، لكن إذا قال: ﴿قَذَفَ﴾ صار أشد، والرعب بمعنى الخوف، وإذا وقع الخوف في القلب فلا تسأل عن الخائف، يظن أن الشجر نَفَر، لا يتصور الأمور على حقائقها، حتى لو ناداه أحد من أصحابه ظن أنه عدوه يناديه ليقتله، ولا أشد من سلاح يفتك بالعدو من الرعب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]].
أما إذا ثبت القلب واطمأن فإن المقاتل سيثبت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، وذِكْر الله تعالى تطمئن به القلوب، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨].
وأخبر الله عز وجل أن الله أنزل على أهل بدر المطر ليُثَبِّت به الأقدام، وتكون به السكينة.
فالحاصل أن الرعب من أشد الأسلحة فتكًا بالعدو.
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، قال المؤلف: (﴿﴿فريقًا﴾ ﴾ تقتلون منهم، وهم المقاتلة، ﴿﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴾ منهم، أي: الذراري).
هم لما طال بهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام خَيَّرَهم قال: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]]، قالوا: نريد أن ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنوا أنه سيفعل مثلما فعل عبد الله بن أُبَيّ لحلفائه من اليهود حين شفع فيهم إلى رسول ﷺ وتركهم، لكن سعدًا رضي الله عنه لما جاء وكان في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيب في الأحزاب بأَكْحَلِه، وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب؛ لأنه سيّد قومه، سيد الأوس.
جاء على حِمَار من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان الحصار، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم حَكَّمُوه، فقال: حُكْمِي فيهم نافذ؟ ويشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشير إليهم أيضًا، قالوا: نعم، كلهم رضوا، النبي عليه الصلاة والسلام رضي، وكذلك هؤلاء اليهود رضوا، فقال: لقد آنَ لسعد ألَّا تأخذه في الله لومة لائم، هذا مقام محنة عظيمة، فحكم فيهم رضي الله عنه بِحُكْم عظيم، حكم صواب مطابق للحق، «قال: أحكم بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذريتهم، وتُغْنَم أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]].
ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وهم الرجال البالغون، وأما الذراري من النساء والرجال غير البالغين فإنها تُسْبَى، والأموال تُغْنَم، فقتلوا في المدينة ما بين السبع مئة إلى ثمان مئة قُتِلُوا في يوم واحد بناء على حكمٍ هم الذين رضوا به، فهذا هو معنى قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هنا قدَّم المفعول في قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، وأَخَّر المفعول في قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فهل الفائدة من ذلك مراعاة الفواصل فقط، فتكون الفائدة لفظية، ولَّا هناك فائدة معنوية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، بل الأمران.
* الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، ليسوا سِيَّان.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، الفريق الأخير يعني النساء، والأول الرجال فقط.
* الشيخ: لا.
* الطالب: لأن الأول هم الرجال يعني، والثاني: الذين لا يقاتلون. (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا هو الظاهر؛ لأن الحكم الأول أشد وأبلغ، فلهذا قُدِّمَ مفعوله ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنَّ عليه بإطلاقه، فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هذا مع مراعاة اللفظ الذي هو مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، أو ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة ٨٧]، لما كان التكذيب للرسل شديدًا قَدَّمَ فيه المفعول كما قَدَّمَ المفعول في قتلهم، فهذه قصة الأحزاب انتهت على قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] بعد، وهي خيبر، وأُخِذَت بعد قريظة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧].
﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الكاف، والثاني: أرضهم، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ كيف الأرض والديار، بينهما فرق؟ الديار جمع دار، وهي المساكن والأحياء، وأما الأرض فهي أعمّ من ذلك، والأموال هي الأمتعة والدراهم والدنانير، وغير ذلك.
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يعني: ما وطأتموها حتى الآن، ولكنكم سترثونها، وهي أرض خيبر، فإن النبي ﷺ فتحها بعد ذلك في السنة السادسة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يعجزه شيء.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ قدَّم المفعول لتحقق وقوع الفعل به، ولهذا قال: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ولا تقل كما يقول بعض الناس: إنه على ما يشاء قدير؛ لأنك إذا قلت: على ما يشاء قدير، خَصصت قدرته بما يشاء، مع أن القدرة تُعَلَّق بالذي شاءه والذي لم يشأه، حتى الذي لم يشأه هو قادر عليه، والله أعلم .
قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فقاموا إلى سيدهم سعد بن معاذ وأنزلوه من حماره، وجلس أمام النبي ﷺ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا إِلَى حُكْمِكَ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]] »، فقال لهم، فالتفت إليهم: أرضيتم بذلك وحكمي نافذ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الجانب الآخر فيه المسلمون، فقال: أترضون بهذا؟ قالوا: نعم، إلا أنه لما اتجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خفض رأسه إجلالًا لرسول الله ﷺ، فحكم هذا الْحُكم الذي أيَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]] »، وكم كان عدد هؤلاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قالوا: لما رأوا الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، وكان مقتضى الحال أن يلحقهم الخوف والذُّعْر كما حصل للمنافقين.
* ومن فوائدها: كمال تصديقهم لله ورسوله في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فهم شاهدوا ما وعد الله، ثم أظهروا الإيقان بذلك بألسنتهم؛ لقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
استدل بعض الْجُهَّال بهذه الآية على مشروعية ختم القرآن بقولهم: صدق الله، فقالوا: كيف تُنْكِرُون علينا إذا أكملنا القراءة وقلنا: صدق الله العظيم، مع أن الله يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٩٥]؟ فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟
* طالب: الجواب أنه لم يقل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ عند انتهاء التلاوة (...).
* الشيخ: إي نعم، نقول: نحن لا ننكر أن يقول أحد: صدق الله ورسوله، بل نرى أنه من الإيمان أن يقول الإنسان: صدق الله ورسوله، وأن مَن لم تكن عقيدته هذه فهو كافر، لكننا ننكر أن نجعل هذا الثناء على الله عز وجل عند الانتهاء من التلاوة مع أنه لم يَرِد، فهل نحن أعلم بشريعة الله من رسول الله؟ وهل نحن أحرص منه على تطبيق شريعة الله؟ أبدًا، فإذا لم يكن كذلك فإن الواجب علينا أن نَحْذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يقول عند انتهاء تلاوته: صدق الله، فإننا نقولها على العين والرأس، وإذا كان لا يقولها فلا نقولها.
ونقول لهم: إذا كنتم تعتقدون مشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة، إذا انتهيتم من القراءة في الصلاة قبل أن تكبروا قولوا: صدق الله؛ لأن التلاوة في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، المهم أنه لا دليل لهؤلاء في مثل هذه الآية.
* من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يزداد إيمانًا عند رؤية الآيات الكونية أو الشرعية؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢].
* ومن فوائدها: تقرير أو صحة مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وقد ذكرنا أن زيادة الإيمان باعتبارات؛ باعتبار قوة اليقين، وباعتبار صحة العمل، وباعتبار الإخلاص فيه، وباعتبار المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وباعتبار العامل نفسه، كل هذه الاعتبارات يزيد بها الإيمان، ما هو الأول؟
اعتبار قوة اليقين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، أليس الخبر كالمعاينة؟ لو أخبرك مَن تثق به تمام الثقة عن وجود شيء آمنت به، لكنك إذا رأيته بعينك صار ذلك أقوى إيمانًا (...) اعتبار تفاضل العمل.
فهذا نقصٌ بترك العمل فيلزم منه الزيادة، لماذا؟ لكثرة العمل.
وثالثًا: بحسب الإخلاص في العبادة، كلما كان الإنسان في العبادة أخلص لله كان زيادة الإيمان بها أكمل وأقوى، ولهذا تجد الفرق إذا عَبَدْتَ الله عز وجل بإخلاص، وإذا عبدته بغفلة تجد الفرق العظيم بتأثر قلبك، مع أن العبادة واحدة، فكيف إذا عبدت الله تعالى برياء وسمعة -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من ذلك- يكون أشد وأشد في عدم تأثر القلب بهذه العبادة، بالمتابعة أيضًا باعتبار متابعة الإنسان للرسول عليه الصلاة والسلام، كلما ازداد الإنسان اتباعًا للرسول ﷺ في عبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عندما يزداد اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام يشعر كأن الرسول ﷺ أمامه يتابع أَثَرَهُ، وهذا لا شك أنه يزيد في الإيمان.
والخامس: باعتبار حال العامل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، يعني: الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أقوى إيمانًا ممن بعدهم، وأشد ثباتًا.
والحاصل أن الإيمان زيادته لها عدة اعتبارات، ومنها أيضًا السادس: ترك المعاصي خوفًا من الله، فإن الإيمان يزداد به، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد شرح ذلك على وجه أكمل.
المهم أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقالت المرجئة: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ليش؟ قالوا: لأن الإيمان في القلب، والأعمال الصالحة ما لها دخل بالإيمان، وما في القلب لا يتفاوت، فنحن الآن نؤمن بالشمس جميعًا، إيماننا بالشمس على حد سواء ما يتفاوت، فالناس كما قال ابن القيم عنهم:
النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ
وهذا القول لا شك أنه خطأ يرده الواقع والشرع، وقالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجَد جملة كاملًا، وإما أن يُعْدَم بالكلية؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان، فإما كافر، وإما في منزلة بين منزلتين، فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة كافر، ما عنده إيمان أبدًا، والمعتزلة يقولون: لا إيمان عنده، لكن لا نقول: إنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، ومَن لم يكن فاعل كبيرة فالناس في الإيمان سواء، كلهم على حد سواء، فالذين لا يرون زيادة الإيمان ولا نقصانه طائفتان؛ إما مرجئة، أو وَعِيدِيَّة وهم الخوارج، ومَن؟ والمعتزلة.
وقال بعض أهل السنة كمالك رحمه الله قال: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص؛ لأن زيادة الإيمان في القرآن والسنة كثيرة، ولكن ما فيه نقص، ما فيه ذِكْر نقص الإيمان، ولكن قوله رحمه الله ضعيف؛ لأن في السنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، والإيمان بلا شك من الدين، فيكون داخلًا في هذا الحديث.
وأيضًا فإن الزيادة والنقصان من الأمور المتقابلة التي إذا وُجِدَ أحدها انتفى الآخر، ولا يُعْقَل وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، فمثلًا الزيادة ما تُعْقَل إلا بنقص، فنقول له: أنت تقول: إن فلانًا أزيد إيمانًا من فلان، معنى ذلك أن الْمَزِيد عليه ناقص، ولا يُتَصَوَّر غير هذا.
والصواب أن الإيمان يزيد وينقص، وأسباب زيادته ونقصانه كما شرحنا قبل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الانقياد والتسليم كما يختلفون في الإيمان زيادةً ونقصًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المؤمنين كلهم منقادون للشرع، لكن منهم مَن ينقاد بطمأنينة وانشراح، وقبول ومحبة، ومنهم مَن يُسَلِّم على وجه دون ذلك، ومنهم مَن يأتي إلى الصلاة –مثلًا- وهو يرى أنها نعمة من الله عز وجل، ويأتي إليها مُقْبِلًا غير مُدْبِر، نشطًا منشرح الصدر، محبًّا لها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصبر، ومنهم أناس بالعكس، يأتون إلى الصلاة لا يتخلفون، لكن ببطء وتثاقل، وعدم انقياد تامّ، أليس كذلك؟ إذن الناس يختلفون في التسليم، ولهذا قال: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التأمل في الآيات ووضوح الآيات للعبد تزيد في إيمانه وتسليمه؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾، أي: ما رأوه من الأحزاب، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشرعه.
مَن يبغي يسأل؟
* طالب: (...) أو أن ايمان الانسان ناقص؟
* الشيخ: إي، فيه صريح من الإيمان ينقص.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكنه ناقص بالنسبة للرجال.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، إنه يزيد وينقص، الرسول أثبت نقصانه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أبدًا ما هو بدرجات، هذا النقصان يختلف حتى بالنسبة للنساء اللي هي ناقصات، ففيه إثبات أصل النقص بالنسبة للرجال؛ لأنهن لا يصلين ولا يَصُمْن، ثم هنّ بأنفسهن ما دام تَرْك الصلاة نقصًا كلما كان قيامهن بالصلاة أكمل كان إيمانهن أكمل.
* طالب: (...).
* الشيخ: بدليل، يعني: لو لم تصل المرأة إلا أربع صلوات كانت أنقص ممن تصلي خمسًا؛ لأنه ما دام عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلًا جعل ترك الصلاة نقصًا، فترك بعض الصلاة أيضًا نقص.
ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك المؤمنين الذين عاهَدُوا الله فصَدَقُوه، وجه ذلك: السياق: ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكرة للتعظيم، رجال عظماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
* ومن فوائدها: أن أولئك الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله منهم مَن تُوُفِّي واستشهد، ومنهم مَن بقي، وقد ذكرنا مثلًا لمن استشهد، مَن؟ أنس بن النضر رضي الله عنه، فإنه استشهد في أُحُد ووُجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الله أثنى على هؤلاء أنهم أتوا بما عاهدوا الله عليه على وجه الكمال بدون نقص ولا تغيير؛ لقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
* ومن فوائدها: أن مَن مات سابقًا ومَن مات لاحقًا إذا كانَا سواء فيما قامَا به مما يجب فإنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعل الثناء عليهم واحدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تأخر موته فازداد عملًا صالحًا فهو أكمل من الأول، ولكنه بالنسبة لما اتفقَا فيه من العمل الصالح لا فرق بين الأول والآخر.
ثم قال تعالى: ﴿