×

الأحزاب

الآية ١٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢﴾

وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان أن المنافقين ينتهزون الفرص. وجهه: أنهم في هذه الفرصة وحالهم الحال الضيقة الحالكة بدؤوا نشاطهم، وانتهزوا الفرصة، وقالوا: وين الوعد؟ ففيه دليل على أن المنافق على اسمه منافق، إن لم يجد فرصة سكت وصَانَع ودَاهَن، وإن وجد فرصة نطق وتكلم، وهذا دأبهم، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]. * ويستفاد من الآية الكريمة: الحذر من المنافقين؛ لأنهم لا يَأْلُون المؤمنين خبالًا، كلما وجدوا مطعنًا أو مكانًا للطعن هجموا، نسأل الله أن يُعِيذَنا منهم. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن القلوب تنقسم إلى صحيحة ومريضة؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وكذلك الأبدان تنقسم إلى مريضة وصحيحة، وانظر حال الناس اليوم هل هم أشد على مداواة القلوب من مداواة الأبدان، أو على مداواة الأبدان من مداواة القلوب؟ الأخير إلا مَن شاء الله، أكثر الناس اليوم حريصون على مداواة الأبدان التي مآلها أن تكون جيفة يأكلها الدود دون القلوب التي عليها مدار سعادة الدنيا والآخرة، تجد الإنسان يمرض قلبه، وربما يصل إلى درجة الاحتراق، ولكنه لا يبالي به، فإذا أصيب بشوكة في بدنه هرع إلى الأطباء، ولو حصل في ذلك مشقة وتعب. ولكن العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظرٍ إلى قلبه ومرضه وصحته، وسلامته وعطبه، هذا هو المؤمن حقًّا، ولا شك أن القلب إذا صحَّ صَحَّ البدن، ولست أقول: صَحّ البدن أن المؤمن لا يمرض، لكن المؤمن لو مرض يرى أن في هذا المرض منفعة له ومصلحة، ولَّا لا؟ وبهذا يكون مرض بدنه صحة لقلبه؛ لما يحصل عنده من الصبر والرضا بالله عز وجل، وانتظار الفرج، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا يعتمد على الله تعالى بما جعله سببًا. الحاصل أن مرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الله تعالى ورسوله قد وَعَدَ المؤمنين بالنصر؛ لقوله: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ١٢]، والوعد مذكور في القرآن والسنة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، شوف الوعد العظيم، ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ مُؤَكَّد، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والملتزم بهذا يا إخواني هو الرب عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، لكن مع الأسف الشديد أن كثيرًا من المؤمنين ما يلاحظون هذه الأشياء، مع أن الله تكفَّل بهذا. وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، ونصره عليه الصلاة والسلام ليس نصرًا لذاته، ولكنه نصر لما جاء به، فيكون النصر له ولأمته من بعده أيضًا. * ويستفاد من الآية الكريمة: بيان أن المنافق نظره قاصر، وكذلك مَن في قلبه مرض نظره قاصر. وجهه: أنهم ما نظروا إلا إلى الساعة الحاضرة، ما فكروا في العاقبة، ومثل هذه الأمور التي تَرِد هذه أمور عوارض، لكن العاقبة للمتقين، فالأمور العوارض لا يَبْنِي عليها أحد إلا ضعيف البصيرة، حتى في أمور الدنيا أيضًا لا تنظر للأمور العارضة، فإن كما قيل: دوام الحال من المحال، ولكن ما دمت واثقًا بوعد الله عز وجل فَثِقْ أن هذا الوعد سوف يتحقق، لكن تعتريه عوارض بحكمة من حكم الله عز وجل يبتلي بها، ثم تكون العاقبة للمتقين، أظن انتهت الفوائد. (...). عظيمة ما منهم أحد رجع عن دينه، لكن توجد كلمات –مثلًا- من ضعيف الإيمان لكنها لا تستقر. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، مع شدة دعاية المنافقين؛ لأن المنافقين لا شك أن عندهم دعاية عظيمة، ما هم ساكتين، لا يسكتون، لكن ما شاء الله، ثَبَّتَهم الله. (...) ﴿ ﴾