تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا۟ زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴿١١﴾
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب ١١] يستفاد منها: تصوير الحالة التي كان عليها المؤمنون في تلك اللحظة، وهو الابتلاء العظيم، هذا ابتلاء بالنسبة لما حصل من الأحداث، وبالنسبة لنفوسهم هل هي مستقرة؟
الجواب: لا، ﴿َزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، فاجتمع عليهم الابتلاء الظاهري الذي يشاهَد بالعيان، والابتلاء الباطني الذي هو زلزلة النفوس وعدم استقرارها، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
* وفي هذه الآية الكريمة أيضًا: بيان القاعدة العامة، وهو أن الله تعالى يذكر النِّعَم مضافةً إليه، ويذكر النقم غالبًا في البناء للمجهول؛ لأن هنا قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ﴾، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، ممن وقع ذلك؟ من الله سبحانه وتعالى، لكنه في مقام الخير يُضِيفُ الله سبحانه وتعالى الشيء إلى نفسه تمدحًا، وفي مقام خلاف ذلك تأتي الأفعال مبنية للمجهول.
وانظر إلى قول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ففي الشر قالوا: ﴿أُرِيدَ﴾، وفي الرَّشَد أضافوه إلى الله عز وجل؛ لأن الشر لا يضاف إلى الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) عن علي رضي الله عنه. ]]، فلا يجوز للإنسان أن يضيف الشر إلى الله أبدًا، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل؛ لأن مفعولات الله عز وجل لها جهتان: جهة باعتبارها فعلًا لله، وجهة باعتبار ذاتها، أما باعتبار ذاتها –أي: ذات المفعولات- ففيها خير وشر بذاتها، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق١ ٢]، وأما باعتبارها فعلًا لله فليس فيها شر، واضح يا إخوان؟
باعتبارها فعلًا لله ما فيها شر، وباعتبار ذاتها فيها خير وشر، باعتبار الفعل ليس فيها شر؛ لأن الله ما قَدَّرَها إلا لحكمة، ثم لو تأملت الأشياء التي هي شر لوجدت أنها تتضمن خيرًا ولو كانت شرًّا، الفساد في البَرّ والبحر من الْجَدْب والفقر وغير ذلك شرّ، لكن مآله الخير، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ثم قال: ﴿