تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ﴿٢٢﴾
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿٢٣﴾
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾، يعني هذا أظلم ما يكون من الْمُذَكَّرِين، بخلاف مَن ذُكِّرَ ثم أعرض عن البعض، أو ما أشبه ذلك، يصير هذا الأظلمية بماذا؟ بالنسبة لما تحته من نوعه، ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، يعني: لا أحد أظلم في مَنْع شيء من الأشياء ممن مَنَع مساجد الله، وعلى هذا فَقِس، فصار الجواب بأحد وجهين: إما أن يقال (...).
* الآية الكريمة: وجوب القبول على مَن ذُكِّر بآيات الله، منين نأخذه؟
* طالب: من الوعيد في الإعراض.
* الشيخ: نعم، من الوعيد في الإعراض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يجب أن يقبل التذكير من أيّ مَن ذَكَّره، منين نأخذه؟
* طالب: من المبني للمجهول.
* الشيخ: من بناء الفعل للمجهول ﴿ذُكِّرَ﴾، ما قال: ممن ذَكَّرَه الرسول أو ذَكَّرَه فلان أو فلان، إذا وقع التذكير أو أتاك التذكير من أي جهة فالواجب عليك القبول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإعراض بعد العلم أقبح منه حال الجهل، أو لا؟ لأن الله تعالى جعل هذا أعظم الظلم أن تُذَكَّر ثم تُعْرِض، لكن مَن أعرض بدون تذكير فهو أهون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢].
* ومن فوائدها: أن الإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها إجرام؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إضافة الانتقام إلى الله مُقَيَّدًا؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، يعني: الإخبار عن الله بأنه منتقم لكن مُقَيَّدًا، كقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات عظمة الله؛ لقوله: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، فإن الجمع هنا للتعظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن، وأنه في أعلى ما يكون من البلاغة والفصاحة؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِين﴾، ولم يقل: إنا منه، من أجل أن نستفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى أن هذا مُجْرِم، والفائدة الثانية أن الحكم يعمه وغيره من المجرمين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة ٢٣] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة موسى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، وتأكيد هذه الرسالة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ لأن الجملة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات: اللام، وقد والقسم المقدَّر.
* ومن فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام رسول حقًّا لا يجوز الشك فيه؛ لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة ٢٣]، يعني أن هذا حق لا تكن في شك من أنه حصل لموسى هذا الذي حصل، وهذا على التفسير الذي ذكرنا، أما على ما قاله المؤلف فيستفاد منه أن محمدًا ﷺ سوف يلاقي موسى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة كالقرآن هدى؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ لكن هداية مخصوصة، لِمَن؟ لبني إسرائيل، ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة ٢٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا ينبغي لنا أن نطلب الهدى من التوراة، منين نأخذه؟ كقوله: ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أما مَن بعد بعثة الرسول فالهدى لهم هو القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿